علاء الدين محمود
يتساءل الكثيرون: لماذا يظل الشعر صامداً رغم ظهور أجناس إبداعية جديدة تنسجم مع المتغيرات وروح العصر؟ ولماذا يظل القصيد دائماً هو ملاذ الإنسان في كل وقت؟ ومن الواضح أن استمرار الشعر رغم أمواج التغيير المتلاطمة، هو حالة عالمية، بحيث أن عشاق الأدب في كل مكان، حتى الذين انصرفوا نحو السرد وغيره من آداب وفنون، مازال في دواخلهم ذلك الحب السرمدي للنصوص الشعرية.
والملاحظة الجديرة بالانتباه في مقام التجربة الشعرية في العالم، ذلك الاهتمام المتعاظم بالشعر في أوروبا، كفعل متأصل داخل تطور القارة الثقافي والفكري، فهو ليس مجرد ظاهرة عابرة، ووفقاً لذلك فقد ظل القصيد يتجدد عبر الأجيال بأشكال ومواضيع مختلفة منذ العصور الوسطى، حيث كان الشعر الملحمي وسيلة رئيسية لنقل التاريخ والأخلاق، وصولاً إلى عصر النهضة الذي شهد عودة للكلاسيكيات، التركيز على الفردية، وازدهار أنواع أدبية جديدة تعكس عمق الفكر الإنساني، ولا غرابة في ذلك، فقد شكل الشعر جزءاً أساسياً من البنية الثقافية والفكرية في الحضارات الكلاسيكية واستمر كأداة للتعليم والتعبير عن القيم الإنسانية، وكرابط بين الفنون الأخرى.
والواقع أن الفلاسفة أنفسهم عمّقوا من ذلك الاهتمام بالشعر في أوروبا، بل وأصلوا له وأكدوا ضرورة أن تستمر رايته، حيث يشير الفيلسوف مارتن هايدغر إلى أن الشعر هو الذي يجعل اللغة نفسها ممكنة، فهو في الأساس يعتبر اللغة البدائية الأولى للشعوب، بالتالي هو أصل الحضارة باعتبار أن هذه الأخيرة بدأت من اللغة، ولعل ما ذهب إليه هايدغر ينطبق على كل الحضارات والشعوب حول العالم في تبيان أهمية الشعر وسر خلوده، وبالتالي هو ينطبق بصورة كبيرة على الحضارة العربية التي لعبت فيها اللغة والشعر دوراً محورياً في تمددها واتساعها.
لقد كان للشعر مكانة كبيرة في التاريخ العربي وفي الماضي القريب، حملت نصوصه الأحلام الكبرى للبشر، وكان ترياقاً ضد اليأس ونافذة للأمل، فهو ديوان العرب، ولهذا الاسم دلالاته القوية، فهو لم يأت من فراغ، أو كنوع من الاحتفاء الأجوف، فالديوان هو التاريخ والثقافة والإبداع والتراث، بالتالي، وعلى الرغم من التراجع الطارئ الذي فتح المجال لانتشار إبداعات أخرى مثل الرواية، إلا أن الشعر يبقى ضرورة لأنه شديد الارتباط بالهوية والتاريخ، بل وبالعقل والتطور، فهو ليس صيغة إبداعية ماضوية، بل وعصرية كذلك، لأن الانسجام في العصر الراهن يتطلب ذاكرة وانتماء بحيث لا يجرفنا تيار العصرنة بشكل يقطع مع الجذور الحضارية والقيمية.
ومثلما اهتمت أوروبا وغيرها من بقاع العالم بالشعر باعتباره جزءاً من حضارتها، فإن الاهتمام العربي بالشعر بكل أشكاله القديمة والجديدة لابد أن يستمر بواسطة المؤسسات الثقافية، بسبب ما يمثله من قيمة ثقافية وحضارية، فراية الشعر ستبقى على الدوام، لأنه ذلك الإبداع الذي يلامس الروح والمشاعر ويمتلك القدرة على التعبير عن الأفكار المعقدة والمشاعر الإنسانية العميقة.