عبد الإله بلقزيز
يتناقص معدّلُ القدرة على مراجعة الذّات والفحصِ عن الخاطئ من يقينيّاتها والجامدِ، وعن المُتَلَقَّى من أفعالها بالرّفض أو الإنكار أو الاستهجان... كلّما زادت نسبةُ تمركُزها على نفسها ارتفاعاً ورسوخاً.
تتحوّل الذّات، في مثل هذه الحال، إلى مركزٍ أو هي، بالأحرى، تَشْرع في النّظر إلى نفسها بما هي ذلك المركز في عالمها الضّيّق الذي تُغلقه على نفسها في وجه خارجها. لا مجال هنا لأن ترى نفسَها في مرآةِ خارجٍ يعيد حجمَها إلى حدوده، أو لأن تراها في مرآةِ واقعٍ توضَعُ اعتقاداتها وأفعالها في ميزانه وتُكَالُ به، إنّها ترى نفسَها، فقط، في مرآة نفسها. لا جَرَم، إذن، أن يكون فعْلُ المراجعة والنّقد الذّاتيّ، عندها، فعلاً برّانيّاً عنها أو شأناً خارجاً عن نطاق أفعالها وما تفترضه، ولا جَرَم أنّ هذا التّمركُز على الذّات يمنع الذّات من مَوْضعةِ نفسْها ويسُدُّ الباب -بالتَّبِعَة- على احتمال نشوء أيّ مسافةٍ داخل هذه الذّات ينْمازُ فيها الذّاتيُّ (في الذّات) عن الموضوعيِّ، النّاظر عن المنظور إليه: وهو شرطٌ لا نُدحة عنه لكي يسُوغ للذّات أن تقرأ نفسَها وأن تراجعها أو تحتسب عليها: بأسانيدَ من الواقع الموضوعيّ أو من العقل، ما من شكٍّ في أنّ حالة التّمركُز الذّاتيّ الشّديد والأكثر اندفاعاً نحو الأقصى هي تلك التي تُعبّر عنها حالة الفردانيّة.
ليست الفردانيّة -في السّياقات التي نتناولها- هي الفرديّة التي تُولَد لدى كلّ إنسانٍ في الزّمن الصّناعيّ والتّكنولوجيّ الحديث، زمن ما بعد النّظام الجمعانيّ، نعني تلك الحال التي يمارس فيها وجوده بوصفه متمتّعاً بمجالٍ خاصّ يعيش جنباً إلى جنب مع مجالٍ عامّ يشترك فيه مع سائر النّاس المنتمين إلى المجتمع السّياسيّ الواحد. ومع أنّ آليّة الفَرْدَنَة Individualization آليّةٌ عازلة تفصل الوحدة الفرديّة الصّغرى عن محيط الجماعة ونظامِها، وتُمتِّع الفرد بحرّيّةٍ في التّصرُّف والاستقلال الذّاتيّ أكبر، وتَعْوِضُه بالرّوابط الأهليّة التي كانت تشدُّهُ بأخرى جديدة، إلاّ أنّ فعْل العزْل والفصْل في الفَرْدنة لا يذهب بالفرديّة إلى حدودٍ قصيّة من الانغلاق الذّاتيّ، ولا هو يُصادم الفردَ بالمجتمع والدّولة والقانون، بل يشدُّ الفرديّةَ، بما هي خصوصيّةٌ، إلى الاجتماعيِّ العامّ المشتَرَك ويُدْرِجها فيه من خلال القانون ومن طريق تشريعاته التي تَلْحَظ ثنائيّة الفرديّ والجماعيّ في الوجود الإنسانيّ والاجتماعيّ، وما المواطَنةُ -بما هي رابطةٌ مدنيّة وطنيّة جامعةٌ وكافلة للحقوق ومُلْزِمة بالواجبات- إلاّ تعبيراً عن تلك العلاقة من التّرابط الماهويّ بين الفرد والدّولة (والمجتمع استطراداً). لذلك لا يمثّل هذا الضّربُ من الفرديّة نَهْكاً لنظام المجتمع ولا تجاوُزاً له ولعلاقاته القائمة.
الفردانيّة التي نعني في سياقنا هذا، شيءٌ آخر تماماً. إنّها تلك التي اقترنت، في وجهها الفكريّ، ب«تقديس الفرد» وحرّيّته وبوضع الفرد في مقابل المجتمع والدّولة بوصفه مبدأً للوجود وهدفاً نهائيّاً، واستمرّت تنظر -بعين الشّكّ- إليهما (المجتمع والدّولة) بما هُما قيْدان مضروبان على حرّيّته وكابحان يَحُولان دون التّمتّع الكامل بها. وهي اقترنت أيضاً -في وجهها العمليّ- بحالةٍ من تمرُّد الحرّيّة الفرديّة (في مجتمعات الغرب) على كلّ ضابط عامّ يفرض عليها قيْد القانون أو قيْد المصلحة العامّة، بل هي اقترنت -أسوأ من ذلك- بحالٍ من الانسحاب الجماعيّ للأفراد من المجال العامّ وميادين الشّؤون العامّة (الأحزاب، النّقابات، الجمعيّات، الاقتراع...) ومن كلّ الرّوابط التي تشدّهم إلى جماعةٍ أهليّة (أسر، عائلات) أو إلى جماعة تضامنيّة (مدنيّة).
تتعالى الفردانيّةُ بالفرد والفرديّة إلى مقام التّقديس، وهي لا تخفي -على ألسنة اللاّهجين بها- سَعْيها إلى أن يُحاط ذلك التّقديسُ الإيديولوجيّ والنّفسيّ بما يجعل له السّلطانَ الماديَّ في الواقع، وذلك لا يكون إلاّ من طريق إحاطة الفرد والفرديّة بمنظومةٍ كاملة من التّشريعات القانونيّة الضّامنة لحقوقه وحرّيّاته اللاّمحدودة. لذلك كان ضغطُ اللّيبراليّة العولميّة المتوحشّة شديداً على الدّولة من أجل حمْلها على التّنازل القانونيّ لصالح حرّيّات الفرد حتّى وإنْ كان ذلك على حساب الحرّيّات العامّة!