د. نسيم الخوري

أكتب رافعاً الصوت والعمر والأصابع العشر والحبر بحثاً في مستقبل العلاقات بين الحضارة والكتابة العربية معتبراً الاستغراق في الشفوية نقيصةً، بينما الكتابة الفصحى خير.
لماذا؟ لأن للغتنا العربية عيد يمر في 18 ديسمبر(كانون الأول) من كل عام، أقرته منظمة الأمم المتحدة منذ 52 سنة ولم نشهد استراتيجيات جامعة مانعة قادرة على إحياء اللغة العربية من الضعف والتدهور والإنكار. وللإنصاف كنت أصفّق للاهتمام العربي عبر إمارات الخليج العربي، كان آخرها في الشارقة التي استضافت منذ أسبوعين ثُلَّةً من الزملاء أساتذة الجامعة اللبنانية المتقاعدين يجهدون لتأسيس «مجمّع اللسان العربي» في لبنان، وقد استقبلهم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة الرئيس الأعلى لمجمع اللغة العربية.
نشرت في صحيفة«الخليج» الغرّاء أكثر من نصّ حول هذه المسألة بل المعضلة التاريخية المعاصرة والحضارية، مباركاً فيها جهود صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، الحاضر في هذا المجال بالإضافة إلى الجهود والجوائز المتنامية بهدف وقف التدهور اللغوي الهائل الحاصل في عصر «اللايك والتويتر والفيسبوك» وغيرها من عادات «الحكي» بالعاميات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يستغرق أولادنا وأحفادنا في الداخل والخارج في الكتابة من اليسار إلى اليمين وبالأحرف اللاتينية فيحقّقون من دون دراية نظرية الشاعر اللبناني المرحوم سعيد عقل الذي قال يوماً إن العربية آيلة إلى تقليد اللغات اللاتينية لتكتب من اليسار إلى اليمين.
1- في العام 1975 تخرجت من «السوربون 3»، حاملاً دكتوراه حول «مظاهر الحداثة العربية»، بإشراف البروفسور أندره ميكال آخر كبار المستشرقين الفرنسيين في لغة العرب وآدابهم، وهو الذي جهد أكاديمياً وكنت مساعداً له في رفع مستوى اللغة عبر تفكيكه «ألف ليلة وليلة». إلى مصاف العالمية بما تحمله الكلمة من معانٍ إلى محاضراته النقدية في ترهل لسان العرب الحديث ودور وسائل الإعلام الخطير التي «أنزلت العرب ونصوصهم عن سلالم الفصحى في مصر ولبنان وبعض بلدان العرب» كما كان يردّد.
2- درّست اللغة العربية في مدرسة «لاروش» في فرنسا (1975-1977)، ما وضعني في تعامُلٍ مباشر مع عدد كبير من أبناء العائلات اللبنانية الهاربة من الحروب في لبنان وغيرها من أبناء الجاليات العربية، حيث الكوارث اللغويّة التي يكابدونها إذ لا تُثير الفصحى لديهم سوى المزاح والنفور.
3- عملت مديراً في مجلة «المستقبل» الصادرة في باريس 1976. صادقت مخالطاً نصوص كتّاب عرب مرموقين، وكانت نصوص معظمهم تذيّل بتوقيعاتهم مع الإشارة إلى الجهود التي كابدتها الصحافة المهاجرة في صيانة العربية.
4- قفلتُ إلى بيروت منخرطاً في التعليم الجامعي وإدارة كلية الإعلام والتوثيق بلبنان وإدارة تلفزيون لبنان، وفيها استهلكت عقوداً أعاني من مستنقعات المحاضرات الجامعية بالعامية والشاشات تتسابق لتدمير الفصحى.
كيف نوقف الانهيارات؟
5- ما عادت تغريني الكتابة ولو سطراً واحداً في حاضر اللغة العربيّة ومستقبلها، لكنّ قلبي يصفّق للمبادرات التي تقي اللسان العربي التراجع واللحن وأذكّر ب«تويتر» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نشره في اليوم العالمي للّغة العربية عام 2020، وفيه: « العمل مستمر لحماية لغتنا... نحتاج لمبادرات أكثر من محاضرات».
لماذا المسارح والشاشات اللبنانية تحديداً تغوص في العاميات واللهجات ولا تعود إلى الفصحى في اللسان اللبناني؟ صحيح، يكفيني الإقرار وقد كنت مديراً لكليّة الإعلام والتوثيق في لبنان أن اصطدمت بالذين كانوا يستهلكون عقوداً من الذهاب والإياب محاضرين في الأحرام الجامعية ومناقشين الماستر والدكتوراه بلغة الشاشات الهزيلة لا بلغة الضاد العظيمة.
6- ناقشت أطروحة دكتوراه ثانية وهي خلاصات 30 سنة من التعليم الجامعي بعنوان: «الإعلام العربي وانهيار السلطات اللغوية» طبعت مرّتين في مركز دراسات الوحدة العربيّة لخير الدين حسيب رحمه الله، واحتلّت المرتبة الأولى في مبيعات معرض الكتاب الدولي في لبنان العام 2005.
كتب لي زميل من أثينا بأنّ الأجيال في اليونان باتوا لا يعرفون لغة أجدادهم كسقراط وأرسطو وأفلاطون.

[email protected]