ضمت البوتقة أبناء الإمارات وفلسطين ولبنان وسوريا والعراق ومصر والسودان وتونس والأردن والبحرين والهند وباكستان، بل وإنجلترا أيضاً. وكان التحدي هو أن يعزف الجميع نوتة واحدة، وأن تضبط الإيقاعات لقطع المسافة بين الفكرة وبين تجهيز المبنى وتركيب المعدات، والاتفاق مع المطبعة والحصول على الورق والأحبار، واختيار العنصر البشري، ثم الانطلاق إلى الجغرافيا الطبيعية والبشرية والاقتصادية والسياسية، وكأنه نحل يعمد إلى مصادر الرحيق ليعود إلى الخلية مرهقاً يحوّل الرحيق إلى عسل! وتبدأ الأعداد التجريبية في الفترة من أكتوبر 1979 إلى الخامس من إبريل 1980.. وتتوالى المفارقات التي كلما تذكرتها ونظرت إليها من بُعد عمقه نحو سبعة وأربعين عاماً ضحكت أحياناً وتدبرت أخرى وتمنيت أن لو عاد الزمن ليكون تصرفي غير ما فعلت أحياناً ثالثة.
مفارقات من قبيل اختلاف دلالات الألفاظ في التعامل اليومي بين أبناء الأقاليم العربية، والاختلاف حول أي الألفاظ أفضل وأدق في احتواء المعنى عند وضع العنوان الرئيسي (المانشيت)، بل والاختلاف حول أيّ الحروف يستخدم في الكلمة. وللأمثلة الطريفة، كان زميل يتولى شؤوناً إدارية، وكان ما اعتقدته تقصيراً وإهمالاً وتحولت نبرة كلامي إلى شبه صراخ «زعيق»، وكان الزميل اللبناني يرد «أنت ليش عم بتعيط؟»، وكلما رددها ازددت غضباً لأنني فهمتها على أنه يراني أبكي؛ فالعياط في مصر هو البكاء! وذات مساء، احتدم الخلاف في إدارة التحرير حول «فيما» و«بينما»، فالمدرسة المشرقية أو اللبنانية تستخدم «فيما» لمعنى استمرار الحدث، والمدرسة المصرية تستخدم «بينما»، وتعطل ذهاب الصفحات للمطبعة بعض الوقت، وانتصرت فيما، ولو مؤقتاً.
ثم كان أن اشتعلت مظاهرات في صعيد مصر بمحافظة سوهاج، فقلبت المدرسة المشرقية الجيم غيناً، وصار المانشيت «المظاهرات تشتعل في سوهاغ» على غرار «ديغول» التي تكتب في مصر «ديجول».. وهلم جرّا، حتى وصل الحال إلى التنابذ بين من وصفوا أنفسهم أنهم «جنبلاطيون» فيما غيرهم «ناصريون»، والأغلبية تنظر باندهاش، كل هذا و«المايسترو» الذي وضع النوتة وفي ذهنه يستمع إلى المقطوعة كاملة، حتى قبل أن تعزف، يدير الأمر بهدوء شديد، وتحمل نادر، وقدرة على امتصاص كل علل العينات البشرية التي استعان بها.
وكان تريم عمران، هو ذلك المايسترو الهادئ الواثق، الذي يعرف ماذا يريد وكيف ومتى. وللحديث صلة.
آخر الكلام
من ذكريات تأسيس «الخليج»
10 يناير 2026 01:29 صباحًا
|
آخر تحديث:
10 يناير 01:58 2026
شارك