دخل العالم مع بداية العام الجديد 2026 في مواجهة أحداث معقدة تنذر بمخاطر جيوسياسية كبرى، بدأت مع الغارة الأمريكية على فنزويلا، التي انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، وتهديدات دونالد ترامب بضم جزيرة غرينلاند الدنماركية ولو بالتدخل العسكري، وحديثه الصريح للمرة الأولى عن انهيار النظام الدولي، وأن صلاحياته لا يحكمها القانون بل قناعاته الشخصية.
صورة مادورو المكبل بالأصفاد، التي تباهى بها ترامب، أماطت اللثام عن نمط صاعد من إدارة الأزمات لا يؤمن بسيادة الأوطان وحصانة القادة وحرمة القانون الدولي ومواثيق العلاقات بين الدول. إنه عصر جديد بدأ ينقلب على المفاهيم السائدة والقواعد المألوفة، ويستجلب نزعات عنصرية وتوسعية من العصور البائدة، ويرسي قواعد جديدة تخضع لمبدأ «القوة تصنع الحق»، على مقاس المصالح ونوازع الهيمنة، وليس العكس.
وهذا التوجه لم يعد خافياً، بل إن ترامب وأركان إدارته يجاهرون به في كل مناسبة، ويعلنون أنهم ذاهبون إلى الأبعد في ظل التلويح المتكرر باستخدام القوة والسيطرة على مقدرات الدول الأصغر، بدعوى استعادة أملاك أمريكية مثل نفط فنزويلا أو الثروات والمعادن الكامنة في جزيرة غرينلاند. وبهذا المنطق لم يعد هناك أي اعتبار للقواعد التي تنظم العلاقات بين الدول وتحصنها من السقوط بين براثن شريعة الغاب التي أصبحت أمراً واقعاً، ويتم تنفيذها بواسطة شعارات خادعة وعناوين براقة، يتم اتخاذها تقية، مثل إنقاذ الديمقراطية وإحلال السلام أو «السلام بالقوة» كما تردد الإدارة الأمريكية الحالية لتبرير تعاملها مع الأزمات الراهنة.
كل ما حدث ويحدث يشير بوضوح إلى أن العالم يصعد إلى الهاوية، حقيقة لا مجازاً، وأصبح مفتوحاً على مجهول حالك العتمة. وبعد الحادث الصادم في فنزويلا والتلويح المستمر بإثارة الأزمات هنا وهناك، باتت كل الفرضيات ممكنة، ولم يعد مستبعداً حدوث الأسوأ في عصر سياسي يتعمد التخلي عن الحكمة والتوازن، ويعيد إلى الأذهان عصر الإمبراطوريات، وأساليب ما قبل نشوء الحضارة الحديثة، واستخدام السياسات التوسعية والاستعمارية المباشرة من دون الحاجة إلى وسائط القوة الناعمة كما كان الحال في العقود الماضية. وحين يتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الولايات المتحدة الأمريكية بالتخلي عن حلفائها وتجاهل القواعد الدولية وترسيخ «عدوانية استعمارية جديدة»، ويشير نظيره الألماني فرانك فالتر شتاينماير إلى أن سياسة واشنطن تدمر النظام الدولي، ويحذر من تحول العالم إلى «وكر للصوص»، فذلك كاف لقياس مدى التدهور والهواجس والقلق من أن يكون ما جرى حتى الآن مجرد بدايات لصراعات أوسع لا يمكن للخيال التقليدي أن يستوعبها.
حالة عدم اليقين التي كانت تعاني منها أوروبا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، ومنطقة الشرق الأوسط في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على الفلسطينيين وسوريا ولبنان، ها هي تمتد إلى أمريكا اللاتينية بعد الغزوة الأمريكية لكاراكاس، وقد تضرب في غد ليس بعيدا في آسيا إذا نفذت الصين تهديداتها باستعادة تايوان ولو بالقوة. وعلى الخريطة اليوم فإن كل القارات تقريبا قابلة للاشتعال، والقوى العظمى الراهنة، الولايات المتحدة وروسيا والصين، لا يوجد أي توافق بينها، وكل منها يضع الإصبع على الزناد، في ظل صراعات جيوسياسية شديدة التعقيد وحروب تجارية تنهك الاقتصاد العالمي وتجره إلى الإفلاس.

[email protected]