تَغذّى معتقدُ القوّة، في الوعي الغربيّ، من مواردَ عديدة قدّمتْها نتائجُ علمٍ حديث بَدَتْ، في الجملة، أغنى - حتّى لا نقول أفعل - من تلك التي قدّمتها الفلسفة أو التي قدّمها، قبْلها، الدّينُ وكرّستْها نظرةُ اللاهوتيّين من كلّ الأديان إلى جماعتهم الاعتقاديّة وذهابهم إلى القطع بِ«تفوّقِها» على غيرها في العالم. لقد ارتبط أثرُ العلم في تعزيز ذلك المعتقد بما باتت تكتسيه نتائجُ العلم وحقائقُه من صدقيّةٍ ووثوقيّة في العهد الحديث برّرتها نجاحات العلم في تطبيقاته المادّيّة والاجتماعيّة، مثلما ارتبط الأثرُ ذاك بما ساد من شعورٍ جمعي في أوروبا بأنّ هذه القارّة هي مهْبِط العلمِ وموطنُه، وأنّ إنسانها (الأبيض) هو صانع هذا السّحر الجديد الذي يهْتك الأسرار ويفُكّ المغاليق.
لقد كان مثل هذا الشّعور كافيّاً لتصنيع الاعتقاد بقوّة الغرب وتفوُّق أبنائه على بني الإنسان جميعاً، وهو اعتقادٌ عسيرُ الزّحزحة، لأنّ مبْناهُ على حقائق العلم، وهذه تبْلُغ من اليقينيّة عند الغربيّين المحدثين حدّاً لا يضاهيه عندهم في القوّة يقينٌ آخر ما خلا يقينُهم الدّينيّ ويقينُهم بمعصوميّة الكنيسة قبل العصر الحديث.
كانت نظريّات البيولوجيا في القرن التّاسع عشر (نظريّة النّشوء والارتقاء خاصّةً) قد أوْجَدت أساساً معرفيّاً للاعتقاد بأنّ التّطوُّر في العالم الطّبيعيّ والتّمتُّعَ، بالتّالي، بفُرص النّجاة/البقاءِ والحياةِ للكائنات فيه رهْنٌ بقابليّة الجسم الطّبيعيّ لمغالبة الشّروط الكابحة للوجود أو للحياة. لا تكون هذه المقاومة ممكنة، حسب نظريّة التّطوّر، سوى لمن هو أقوى وأصلح من الكائنات الطّبيعيّة والحيوانيّة. ولأنّه كان لا بدّ من مقياسٍ لمعايَرةِ القوّة والأصلحيّة للبقاء، فقد هُرِع إلى تقسيم الكائنات الحيّة إلى أنواع متمايزة وإلى بيان سمات كلِّ نوعٍ منها وخصائصِه ومَواطن قوّته الذّاتيّة. على أنّه ما لبث التّقسيم والتّصنيف أن مال إلى نظرة تفاضليّة إلى الأنواع الطّبيعيّة والحيوانيّة، وإلى الإنسان نفسه!
وكما ميّزت الجيولوجيا بين أنواع طبقات الأرض والصّخور وأنواع التّربة على قوامٍ تفاضليّ، وفعلت ذلك علوم الكيمياء - وقبها الكيمياء السّحريّة - في تمييزها النّفيس من المعادن من غير النّفيس، ذهبت علوم البيولوجيا إلى الاتّجاه عينه فأنجبت شروطاً جديدة لانتقال هذه «العلميّة» من حيّزها المختبريّ ودائرتها العلميّة الخاصّة إلى حيث تمارس آثارَها وتأثيراتها في علومٍ أخرى غير طبيعيّة، وإلى حيث تكرِّس في هذه العلوم تقنيات التّقسيم والتّصنيف التّفاضليّ لأشيائها إلى أنواع أو عائلات أو سلالات... منظوراً إليها بوصفها متراتبةً في القيمة!
يعنينا من نظريّات البيولوجيا تلك ما كان لها من كبير الأثر في التّفكير الحديث والمعاصر: في الفلسفة، وعلوم الاجتماع، وعلم التّاريخ. فالذّهنيّة العامّة، ويعنينا منها، ثانياً، ما كان من نتائجَ لتلك التّأثيرات على صعيد نظرة الغرب (وهو موطن تلك الثّورة العلميّة) إلى نفسه وإلى غيره.
قد لا يكون السّواد الأعظم من الأوروبيّين والأمريكيّين سَمِع بداروين ونظريّته في الاصطفاء الطّبيعيّ والتّطوّر، وربّما يكون تناهى إليهم بعضُ العلم بعموميّاتٍ فيها لا تُشْبع حاجةً، ولكنّ الذي لا مِرْيَة فيه أنّ فكرة التّطوُّر وفرضيّةَ صيرورته قانوناً حاكماً للعالم المادّيّ والإنسانيّ باتت تستوطن، تدريجاً، أذهان الجميع وتتحوّل إلى معتقَدٍ جمْعيّ حتّى من دون دليلٍ عليها (ما خلا الدّليل الحسيّ المشتَرَك). على أنّ فكرة التّطوّر هذه ارتبطت، في الوعي الجمْعيّ الغربيّ، بنظرتيْن بَدَتا وكأنّهما من ثمار فكرة التّطوّر ذاتها. تتعلّق أولاهما بحصْر نطاق مفعوليّة ذلك التّطوّر في الغرب من دون سواه (بحيث يبدو وكأنّه وحده محكومٌ بقانونه)، وإخراجِ غيره من العوالم الأخرى من حوْمة التّطوّر. وتتعلّق ثانيهما بِتحويل التّطوّر من فكرة إلى إيديولوجيا (تطوُّرانيّة)، وتأسيس خطابٍ دعويّ أو تبشيريّ عليها داخل علوم الاجتماع والإنسان وخارجها.
لم تُلخِّص الدّاروينيّة الاجتماعيّة أفكار تشارلز داروين في البيولوجيا التّطوريّة فحسب، بل اشتقّت مبادئها من نظريّات في الاجتماع والاقتصاد عديدة سابقة لنظريّة داروين، من ذلك أفكار توماس مالتوس في الاقتصاد والسّكّان والنّموّ، وأفكار هربرت سپنسر حول التّطوّر الاجتماعيّ القائم على مبدأ الارتقاء وعلى مركزيّة الفرديّة فيه... إلخ.
الداروينية الاجتماعية وفكرة التفوق
12 يناير 2026 00:25 صباحًا
|
آخر تحديث:
12 يناير 00:25 2026
شارك