ولو من باب العلاقات الاقتصادية، تتوالى مقدمات التقارب بين مصر وسوريا، وهو أمر له دلالته الاستراتيجية في ملفات العلاقات العربية - العربية، خاصة في هذا التوقيت الذي يشيع فيه الحديث عن خرائط جديدة للمنطقة.
لا يقلل من أهمية هذه المقدمات كونها تجارية تحيل إلى مصالح بمعناها النفعي القريب، فهذا من الأوجه المستقرة لتقوية الروابط بين الدول وتحقيق المصلحة المشتركة بمفهومها الأوسع الذي ينعكس إيجاباً على الشعوب، غاية كل عمل سياسي.
ورغم تصدّر الجانب الاقتصادي مشهد التقارب المصري السوري، فإن له إشارات سياسية مرت خلال الأشهر الماضية، ربما أبرزها لقاءان بين بدر عبدالعاطي وأسعد الشيباني، وزيري خارجية البلدين، في القاهرة والدوحة، وتأكيد الأول الموقف المصري الثابت القائم على ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا وسلامة أراضيها، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية بما يمكّنها من القيام بواجباتها ومسؤولياتها في حماية استقرار البلاد وصون حقوق ومقدرات الشعب السوري. كذلك، لم تغب مصر عن إدانة الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية التي تكررت في الفترة الأخيرة.
هذه الإشارات كانت بداية خروج علاقة القاهرة ودمشق من مرحلة الريبة المتبادلة التي رافقت قيام النظام السوري الجديد، وخشية مصر على مصالحها الاستراتيجية في «الإقليم الشمالي»، خاصة مع احتضانه عناصر هاجمت القيادة المصرية مباشرة وتسببت في معارك إعلامية بين العاصمتين كان في صلبها وجود السوريين في مصر.
على كلٍ، كان توقيع البلدين في 5 يناير/ كانون الثاني الجاري مذكرتي تفاهم لتعزيز التعاون في قطاع الطاقة لافتاً، فالأولى تهدف إلى توريد الغاز الطبيعي إلى سوريا عبر البنية التحتية المصرية لتوليد الكهرباء، والثانية تركز على تلبية احتياجات دمشق من المنتجات البترولية، وأسهم ذلك في عودة الخطاب الإعلامي إلى منطقة الدفء بين قطرين عربيين بينهما كثير من المشتركات ويشتبكان تاريخياً في الأمن الاستراتيجي.
وتأتي تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقائه وفداً من اتحاد الغرف التجارية المصرية، في دمشق لتبشر بأن علاقات البلدين ماضية إلى مزيد من التعافي، خاصة أنه اعتبرها واجباً، لا ترفاً. ولم يكن شكر الشرع للشعب المصري على استقباله الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب، مجرد مجاملة فرضها اللقاء، ففيها استدراك لشكره دولاً أخرى احتضنتهم، وهو ما اعتبره مصريون تنكراً لدورهم مع الأشقاء والمناداة بخروجهم.
حتى ما فهم من الشرع قبل شهور وهو يصف واقع بعض الدول على أنه تقليل من مصر، محاه لقاؤه مع الوفد المصري بإعلانه أن الشركات المصرية أولى بالمساهمة في إعادة إعمار سوريا، مؤكداً ضرورة الاستفادة من الخبرات العظيمة التي تراكمت في مصر خلال السنوات العشر الأخيرة برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي. أما تأكيد الشرع أن الدولة السورية ستسهل كل ما يمكن لخدمة الاستثمارات المصرية داخل البلاد، فهي إشارة أخرى من المستقبل تغري بالتفاؤل.

[email protected]