في ولايته الأولى اتخذ الرئيس الأمريكي ترامب، قرارات عديدة تخلو من احترام القانون الدولي وتنافي روح العدالة والإنصاف، كالموافقة الضمنية على قانون قومية الدولة الإسرائيلية، والانسحاب من المجلس العالمي لحقوق الإنسان بحجة تحيز أعضائه ضد إسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران وإحراج الشركاء الأوروبيين.
وفي ظل ولايته الثانية تفوق ترامب على نفسه وقدم خطاباً يعلي المصلحة القومية لبلاده على كل ما عداها، حتى شركائها الأوروبيين، حتى أنه طالب بالسيطرة على قناة بنما وضم جزيرة غرينلاند، فضلاً عن دولة كندا. وفي وثيقة الأمن القومي الأمريكي التي صدرت مؤخراً جرى التنظير لذلك النهج بإحياء مبدأ مونرو 1823م، الذي كان استهدف قبل قرنين شل يد الإمبراطوريات الأوروبية الكبرى عن التدخل في القارة اللاتينية، باعتبارها مجالاً حيوياً للولايات المتحدة.
وفي فجر الثالث من يناير الماضي، قامت قوات «دلتا» الأمريكية بعملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من مخدعيهما تحت مبررات واهية تتنافى مع كل الأعراف الدولية. يكشف الحدث عن استبدال الولايات المتحدة دور شرطي العالم الذي يحاول فرض هيمنته الإمبريالية تحت غطاء حماية القانون والشرعية الدوليين.
ومع تصريحه بالدافع الحقيقي للعملية وهو المصلحة الأمريكية في نفط فنزويلا، كشف الرجل عن عقل غريزي نفعي، يصرح بما يفكر فيه، ويفعل ما يقوله، ويمارس مغامراته غير المحسوبة على كافة الصعد، كما يدوس في طريقه كل ما هو رمزي وأخلاقي طالما كان ذلك ممكناً، لا تردعه عنه قوة صلبة، فيما يتعين على الآخرين، الذين يملكون عقلاً نقدياً وحساً أخلاقياً بالمسؤولية عن مصير العالم، أن يكرسوا جهدهم لإطفاء الحرائق التي لا يتوقف هو عن إشعالها، بعد أن وضع سيف الفوضى على رقابنا، وجعل العالم محض رهينة لا تملك خياراً خارج حدين: إما الخضوع المذل أو الموت غير الرحيم.
ترامب ليس الأول من نوعه، فالتاريخ لا يعدم حكاماً مثله، نظروا إلى العلاقات بين الدول باعتبارها حرب الجميع ضد الجميع التي تخيلها توماس هوبز أصلاً للاجتماع البشري، مبرراً بها ميلاد الدولة التنين في مواجهة رعاياها الخائفين من قوانين الغابة. لكن هؤلاء جاؤوا في سياق تاريخي مغاير، يزخر بالإقطاع العسكري، والإمبراطوريات عابرة الأقاليم التي لا تتوقف عن التمدد في جوارها من دول ومجتمعات بقدر ما أتيح لها من موارد القوة. أنتج هذا التاريخ الطويل مستبدين كباراً، بينهم من أسس الدول وعمَّر المدن، ومن دمر هذه وأحرق تلك، وعمم الخراب على الجميع. غير أن التخلف التكنولوجي الساحق، قياساً إلى عصرنا الراهن، قد أبقى للموت حدوداً متصورة على الرغم من قسوته، وللخراب حدود محتملة على الرغم من اتساعها، لأن عضلات المجتمع البشرى كانت لا تزال رخوة، على قدر حكمة التاريخ التي لم تزل هشة.
في الحقبة الحديثة تكلَّست الإمبراطوريات العسكرية وتهاوت، وولد من رحمها دول قومية، كما ولد الأدب السياسي الحديث، حيث دار السجال حول نظريات العقد الاجتماعي والمواطنة والديمقراطية الليبرالية في الداخل، وكذلك حول مفاهيم السيادة الوطنية والشرعية الدولية وشرعة حقوق الإنسان، كما جرى تجريم الحرب ما لم تكن دفاعية، وكذلك استخدام القوة أو حتى التهديد بها، وعندها استحال التنظيم والقانون الدوليين بمنزلة حارسين لحكمة تاريخية نامية واكبت نمو عضلات التكنولوجية الجديدة والسلاح الفائق، حتى إن لحظة الذروة في عبث القوة بالمصير الإنساني إبان الحرب الثانية، قد ارتبطت بميلاد التنظيم الدولي الأكبر، هيئة الأمم المتحدة وتوابعها من منظمات وهيئات ووكالات أممية تنشد الحفاظ على سيادة الدول وتنمية المجتمعات.
غير أن نهاية الحرب الباردة، وانهيار اليسار الأوروبي الثقافي والسياسي، جعل العالم فقيراً، أسيراً لحكام من دون مستوى تحدياته، باتوا يرونه أفقاً مسطحاً لا يعدو أن يكون حاصل ضرب طوله في عرضه، لم تعد تلهمهم الأفكار الكبرى بقدر ما تحفزهم غرائز القوة والثأر، وتحركهم أمزجة الجماهير والتيارات الشعبوية، إذ لا يمكن نسبة الرئيس ترامب بأي وجه إلى عصر العقل الأمريكي كما تمثله توماس بيِّن وبنيامين فرانكلين، أو إلى تقاليد المقعد الرئاسي كما جسدها جورج واشنطن وجون آدمز الأب ناهيك عن أبراهام لنكولن وإيزنهاور، أو حتى باراك أوباما، وهو ما يضع عالمنا على حافة حقبة من الفوضى، يمكن تخيلها فيما لو اعتمدت الدول الكبرى مبادئ مشابهة لمونرو، وأخذت الأقاليم المجاورة رهينة لديها، كالصين في المنطقة الباسيفيكية، أو روسيا في أوروبا الشرقية.
عالم في فوضى
14 يناير 2026 00:33 صباحًا
|
آخر تحديث:
14 يناير 00:33 2026
شارك