عثمان حسن

حتى ذلك الشتاء الذي تركناه وراء ظهورنا كان له مذاق آخر، كان شتاء حميمياً، يدلف بنا نحو صحن الدار، بجانب المدافئ العتيقة. ومن حسن حظنا أن تلك الدور التي خبأتنا بين أحضانها كانت لا تتجاوز ذلك الصحن الواسع المصمم بعناية فائقة لكي يسع الجميع، الناس والقطط والألفة، التي تشع نوراً يدفئ العظام والجوانح.
كان شتاء لطيفاً، يترك الباب موارباً، لكي نستمتع بمشاهدة حبات المطر وابن عمه الثلج، كان مطراً طبيعياً، يهطل بالقسطاس على البشر والأعشاب والزهور، ويهطل بين أيدي الصغار والكبار، لنشعر بموسيقاه في انتظار خزائن البيت المملح والمجفف، فيصيبنا بالهدوء والرقة والإلهام.
كنا في حضرة شتاء مختلف، كما قال درويش: «وللحنين فصل مدلل هو الشتاء، يولد من قطرات الماء الأولى على عشب يابس».
كانت فصول السنة جميعها ذات طقس خاص. كان أكثرها بهجة وحنواً هو فصل الشتاء، لكنها جميعاً كانت تعرف كيف تغير حياتنا وتجاربنا، تدلف بنا نحو البدايات، نحو فطرتنا الأولى، لنتعلم من كل ما نشاهده أمامنا. كان ذلك يمنحنا صبراً روحانياً، يسافر بنا بين الفصول، لنتوهج بين طقس شعري غريب ومدهش، لا نعرف كيف كان يستولي الشتاء على حيواتنا بسرعة البرق، لكننا كنا نعرف أن هذا الفصل الشتوي كان يغمرنا بالحكايات والأحلام، وحتى إذا كان شتاء قارساً، فقد كان قادراً على صنع بهجتنا، وهو بكل تأكيد لا يشبه شتاءات هذه الأيام، ولا يشبه رقائق الثلج التي كانت تتساقط من بعيد، مرصعة بالنجوم والأحلام، فننسى من شدة الحنو والإصغاء حواسنا وهي تعيش لحظات تلك الدهشة التي شكلت في طفولتنا بداية المعرفة، وحفزت لدينا الحواس ومكامن الإبداع، على نحو رائع، ومذهل، وسام، وممعن في الجمال والخيال.
هو ذا الشتاء، كوني وروحي، وعظيم، نشعر بذهول أمام عظمته، نتجاوز كل ما هو مألوف وخارق للعادة.
اليوم نعرف كيف كان ذلك الشتاء يخترق أحاسيسنا، فيخرج من دواخلنا أكثر ما فينا من حلم وحب وترانيم شوق إلى الضياء. اليوم نعرف كيف كنا نتجرأ فنخرج فوق حقول الثلج، نشعر بلسعته كأنها ترنيمة من النور، ونعرف كيف كنا نصغي إلى صوت ذلك الشتاء الذي يترنم عند الغسق. لم يكن الشتاء بأمطاره وثلوجه كما هو اليوم.
لنغني مع شكسبير:
هبي، هبي، يا ريح الشتاء، لست قاسية، كجحود الإنسان، ليست سنك حادة، لأنكِ غير مرئية، مع أن أنفاسكِ خشنة.
ونستمر، نستمر بالغناء، لنحيا مع الشاعرة سارة تيسديل، وهي تتأمل طائرها الأزرق الشتوي فتقول:
همس الثلج اللامع بنعومة، يتكسر تحت أقدامنا، خلفنا ونحن نسير على طول الطريق، رقصت ظلالنا، أشكالاً رائعة باللون الأزرق الزاهي.

[email protected]