أمر غير وارد سرد مسيرة «الخليج» في هذه المساحة، لاعتبارات كثيرة، أهمها أن هذه المساحة لا تحتمل مسلسلات تقتضي متابعة القارئ لحلقاتها، وأن التأريخ (بالهمزة) له أصول وقواعد منهجية، ولذلك يمكن أن تندرج بعض المقالات المتصلة بما عشته وعايشته في الشارقة وفي الصحيفة تحت عنوان «ذكريات وانطباعات» تدخل في نطاق الشهادات التي تساعد الباحثين والمؤرخين في مهمتهم.
وكما هو معلوم، فإن الشهادة أمانة، يأثم من يكتمها، ويرتكب الخطيئة من يزيفها أو يجتزئها أو يحرّفها.
وهنا أجد نفسي بصدد شهادة عن واقعة كنت طرفاً فيها؛ إذ كان لـ«الخليج» الصحيفة قسم للمحليات من أكفأ وأقوى أقسامها، بل كان متفرداً في الصحافة الإماراتية والعربية، وكان يضم نخبة من المحررين الأكفاء، وعلى رأسه الزميل الصديق الأستاذ غسان طهبوب، الذي تولى إدارة تحرير الصحيفة فيما بعد ولفترة طويلة.
وذات يوم نشرت الصحيفة تحقيقاً صحفياً عن إحدى مناطق إمارة الشارقة، وبالغ محرر التحقيق في رسم صورة قاتمة عن تردّي المنطقة وما فيها من خدمات، وبعد الظهيرة حيث معظم المسؤولين من أصحاب الجريدة ومدير التحرير ورؤساء الأقسام يقيلون؛ تمهيداً للعودة مساء، وكنت في مكتبي المتواضع، ودقّ الهاتف ليقول لي موظف البدالة، الأخ محمد الشرقاوي، إن رجلاً اسمه سلطان سأل عن الأستاذ تريم، ولما لم يجده سأل عنك. وكانت المفاجأة أن المتحدث هو صاحب السموّ الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، وبصوته الهادئ المميز قال إنه سأل عن تريم ولم يجده، والموضوع هو أن التحقيق المنشور اليوم حافل بالمغالطات والمعلومات غير الصحيحة، ومنها أن المحرر كتب إحصاء عن عدد سكان المنطقة، وأشار إلى أنهم مئتا ألف نسمة، وليس في الشارقة كلها كثافة بهذا الحجم. وأخذ سموّه يعدد الأخطاء والمغالطات، وختم حديثه برجاء تحرّي الدقة.
وفي المساء، حكيت لتريم عمران ما جرى، ثم كتبت مقالي اليومي «قضية» وبدأته بعبارة تقول: «بدلاً من أن يرفع صوت الوعيد أو سوط التهديد، رفع سماعة الهاتف، وناقش بهدوء مفنداً المغالطات، ومحدداً الأخطاء».
وقرأ الأستاذ تريم المقال، وقرر أن ينشر افتتاحية بالصفحة الأولى ويوقع باسم «الخليج»، وطلب مني أن أكتب مقالاً آخر للمساحة اليومية التي أكتب فيها. ونشرت الافتتاحية، ثم كانت مناقشة حادة كنت طرفها الآخر، وتلك قصة أخرى.
وللحديث صلة.