علاء الدين محمود

لماذا يجب أن نكون حذرين تجاه ثقافة العصر ومعارفه؟ ولماذا يجب أن نكيل لها النقد رغم الفوائد الكثيرة؟ وبقدر ما أن هذه الأسئلة مهمة لكنها لا تنجي من ضرورة العيش في الواقع الراهن، مع الوضع في الاعتبار ضرورة أن تكون هناك مقاومة لما يفرضه علينا من طرائق وأساليب حياة مرتبطة بالتطور التقني، لأن هذه المقاومة هي التي من شأنها أن تبعد البشر عن شبح الاغتراب، عن ماهيتهم وجوهرهم الإنساني، وذلك بالفعل ما تفعله التكنولوجيا الحديثة وما أفرزته من وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي وغير ذلك من تقنيات تعمل على أن تسود المعرفة السطحية، لتكون المعارف والعلوم نفسها والثقافة ذاتها مشابهة لروح العصر المتشظي.
«لن تروي عطشك من المعرفة»، يبدو أن ذلك هو شعار تلك الوسائط الرقمية من مواقع وتطبيقات تختزل المعارف وتقدمها على طريقة عصر السرعة تماماً مثل أطعمة الوجبات السريعة «التيك أواي»، حيث إن بعض الوسائط تشتغل عبر أنظمة بحيث تكون المعلومات مبسطة وفي عدد محدود من الكلمات، أما بعضها الآخر فقد بات يعتمد على الصورة والفيديو فقط بحيث تكون المشاركات فيها مقتصرة على الصور.
أما ما تفعله التطبيقات المتخصصة في المواد الثقافية فهو الطريق الذي يقود إلى أن يصبح الجهل ثقافة سائدة ومقبولة من الجميع، خاصة تلك المتخصصة في تلخيص الكتب والقصص والروايات، والتي يراد لها أن تكون بديلاً عن القراءة المتعمقة وهذا شيء، مع مرور الوقت، وبعد أن يصبح ثقافة، سوف تتضح مخاطره بشكل جلي على العقل البشري نفسه وقدرته على عملية التفكير وإنتاج الخطط والاستراتيجيات.
لقد أصبح الكثيرون يكتفون بقراءة المنشورات «البوست»، والمقالات القصيرة وتلخيصات المؤلفات، عوضاً عن المؤلفات العميقة، وذلك الاختزال يؤدي إلى تنمية معارف مختزلة تلامس الأشياء ولا تنفذ إلى عمقها، وهو ما يؤدي بدوره إلى اختلال كبير في المعرفة البشرية، فالواقع أن بناء العقول البشرية وترسيخ المعارف كان نتاج جهود جبارة من المعرفة ومن حركة التأليف، وهو الفعل الذي مهد إلى قيام الحضارات وظهور الفلسفات والاتجاهات الفكرية المختلفة وتطور الإنسان والطبيعة والعمران.
ويبدو الأمر في مشهد اليوم وكأن هذه المعارف السطحية التي تريد أن تفرض هيمنتها تريد أن تعلن نهاية حقبة من العقل بواسطة قوى خفية تكون من مصلحتها تسطيح العقول وتشظي المعرفة واختزالها بحيث يصبح الإنسان بلا هوية معرفية، ولا ينتمي إلى أية فكرة، لذلك فإن استمرار التأليف وفعل القراءة المتعمقة والمنقبة هي أهم أدوات محاربة ذلك التسطيح.

[email protected]