قد يبذل الإنسان جُلّ وقته وأعظم جهده لبلوغ أحد أهدافه عزيزة المنال، متصوراً أن لحظة البلوغ هي الخط الفاصل بين شقاء وفرح، بين ألم السعي وسعادة الوصول، فإذا ما بلغ الهدف اكتشف أن الشعور بالسعادة غير قائم هناك، ولا شيء بعد الوصول سوى الضجر. وأن السعادة التي تصورها قابعة عند خط النهاية، إنما تقبع خلفه، سواء عند لحظة البداية أو عند نقاط متفرقة على الطريق الطويل، بدا فيها الهدف واضحاً والإنجاز ممكناً. ففي السعي تكمن السعادة، وفي أمل الوصول تتألق الروح، أما الوصول نفسه فلا يعقبه إلا الخواء، ذلك أن الملكات الإنسانية لا تنمو بالوصول إلى حقيقة الأشياء، بل بالبحث عنها، والاجتهاد في مقاربتها، أما الشعور بامتلاكها فيميل بالإنسان إلى الركود والتكاسل وربما الغرور والغطرسة، وجميعها صفات تحمل بعضاً من معاني الموت.
وربما يفسر لنا ذلك لماذا يكون الإيمان المكتسب أكثر أثراً في النفس من الإيمان الموروث، فكل ما نبذل الجهد وصولاً إليه يدخل في صميم إنسانيتنا، يملأ أرواحنا، ويشغل المساحة الفاصلة بيننا والكون الممتد حولنا. إنه حال الثروة التي اكتسبها رجل عصامي، تعب في تكوينها ووهب حياته لصونها، لأنه يدرك قدرها، ويعلم كيف كان حاله قبلها، وكيف صار بعدها، ولماذا هي نعمة كبرى تستحق الاجتهاد لصونها وتنميتها. أما الإيمان الموروث عن آبائنا وأجدادنا، فالأغلب أن يكون خاملاً، لا يثير في النفس ألقاً، كحال ثروة موروثة لا يشعر وارثوها بقيمتها في حياتهم لأنهم اعتادوها، ولم يروا أنفسهم أبداً دونها، ولذا ربما أسهموا في تبديدها بالإنفاق السفيه لها. وهنا يقول جوتولد ليسنغ -المفكر الألماني البارز، صاحب الكتاب الأثير «تربية الجنس البشرى»- «لو أن الله وضع الحقائق كلها في يميني، ووضع شوقي المستمر إليها في يساري، لسارعت إلى اختيار ما في يساري، ولو أخطأت السعي، قائلاً له: رحماك يا الله، فإن الحق الخالص لك أنت وحدك!». فهل يمكن فهم سلوك بعض المسلمين، المنفصل جوهرياً عن الفضائل الأخلاقية للإسلام، أو حتى سلوك المتطرفين والإرهابيين بكونهم ورثة دين لم يعرفوا جوهره؟ وهل كل ما يرتكبونه من عنف ويريقونه من دماء إلا تبديداً لذلك الإرث الحضاري العظيم الذي صاغه مجاهدون وعلماء ومجددون حقيقيون نشروا رسالة الإسلام في كل أرجاء الكون، وصاغوا بها عصر نهضته الأوّلي؟.
وحتى في الحب، لا يكون المرء، رجلاً أو امرأة، سعيداً إلا بشعور مكتسب، شعور ينبع من ذوق الشخص الخاص، ينمو داخله رويداً، ويراه يكبر تدريجياً في عيني محبوبه، يبذل الجهد في صونه ورعايته، فإذا ما ضمن الشخص مشاعر المحبوب، واطمأن إلى ذلك بدأ الملل يتسرب إلى علاقة الحب، ودفع بها إلى حيز العادي والمألوف، بعد أن خلت من مشاعر التوق والوجد الأولى، حيث ارتعاش الروح الهائمة وخفقان القلب المتوتر، بل الألم الأول الشفيف جداً، وربما الحزن الأول الحارق تماماً. فالحب يمنح من ألم الفراق والصد بقدر ما يمنح من فرحة اللقاء والإقدام. وعلى قدر ما نفرح بكل إيماءة من محبوب يُقدم علينا، فإننا نتألم مع كل لفتة تشي بصدوده عنا، وإهماله لنا.
وعندما تذبل أحاسيس الألم أو تتوارى إلى حد البلادة وعدم الاكتراث، تتوارى في موازاتها أحاسيس الفرح إلى مستوى العادي والمألوف، وهنا نكون بصدد ذبول الحب، الذي يشبه دورة عمر يتقدم من طفولة إلى شباب وشيخوخة، حتى تنتهي بالموت، ففي التمام يكمن النقص، والارتقاء يعقبه انهيار.
ومن ثم يتعين على كل إنسان تجديد أحلامه وأهدافه، ومواصلة السير إليها حتى لا يتحول الإنجاز إلى اعتياد، والاعتياد إلى ملل، والملل إلى شعور بالخواء، لعله أكثر خطراً على الإنسان من الشعور بالألم أو الحزن، لأن الشخص الخاوي لا يدرك أو يعترف بخوائه، بل يسقطه على الآخرين. فالمتدين الخاوي الذي توقف عن استبطان إيمانه سرعان ما يتسلط على الناس باسم الله تطرفاً وإرهاباً. والعالم الخاوي الذي توقف عن طلب المعرفة سرعان ما يتسلط على الآخرين باسم الحقيقة ادعاء لحكمة زائفة. والمحب الخاوي سرعان ما يتسلط على محبوبه، باسم عاطفة قديمة صارت أنانية مقيتة.
إن السعادة لا تسكن في الرتابة، ولا تكمن في السكون ولو في حال يشبه الجنة، بل في الحركة والفعل والتحقق، فإذا ما أعطى الإنسان عائد رحلته منذ البداية لن يفرح به، لأن سعادته آنذاك تصبح عرضاً لملابسات مفروضة، وليست ثمرة لجهد الذات. ومن ثم تكمن قيمة الحرية باعتبارها الوسيلة الأبدع لاكتساب سعادة يشعر المرء أنه أهل لها.
فالحرية تمكننا من أن نصنع ذواتنا التي لم تعد، والحال هذه، مجرد معطى نهائي لنا، بل تصير هي قدرتنا على اكتساب إنسانيتنا بالتحقق والترقي، وصولاً إلى الأفضل. فالإنسان قد يولد قدراً، لكنه يعيش مريداً وحرّاً، ينمو في ألم الكفاح وجهاد السعي، ويموت في كسل الشبع ووهم الوصول.
في مفارقة السعادة
21 يناير 2026 00:34 صباحًا
|
آخر تحديث:
21 يناير 00:34 2026
شارك