هل تعرف كلمةً أزرى بها الدهر مثلما فعل بالإبداع؟ الشعر في اللغات الأوروبية (بويزي)، مفردة في الأصل يونانية تعني الإبداع، غير أنها تتضمن معنيي الصنع والإنتاج أيضاً. القول المأثور عميق: «حذار، فإن العِرق دسّاس»، إذ يبدو أن معنى الإنتاج هو الذي انحدر بالإبداع من روائع الشعر والموسيقى وفنون التشكيل والعمارة، إلى شؤون التعليب والتغليف. في الإنجليزية «كرييشن» وفي الفرنسية «كريياسيون» تعنيان الخلق أيضاً.
لغتنا الجميلة أجمل، فشرح الإبداع في المعاجم التراثية لا يحتاج إلى دليل على أن التعبير مبدعه عالم لغة مفكر. هل يستطيع علماء اللغة بفضل الحواسيب والذكاء الاصطناعي، الوصول إلى أوّل من أبدع في شرح الإبداع، بأنه: «الصنع على غير مثال»؟ كأنك أمام معادلة فذّة في الرياضيات أو الفيزياء.
استهلك التمهيد نصف العمود. سيتجاوز القلم قضية الإبداع وضرورة جعله في المناهج طاقةً خلاقةً تسري في شرايين المواد، في الفرعين الأدبي والعلمي. يجب أن يؤهل التلميذ منذ الابتدائية للإبداع في أيّ مجال اختار، منذ التوجيهية، لكي يتخرج معزّزاً بكامل الاستعداد لكل ابتكار وتجديد وتطوير في ميدانه.
النقلة النوعية التي نأمل أن يرتاد واضعو المناهج آفاقها، هي إيجاد السبل العلمية لتحقيق تعددية الإبداع. لا بدّ من إدراك أن العلوم والمعارف سواقٍ. من هنا فإن المسافات والفروق بين الفنون والعلوم وهمية. الموسيقى فن، ولكنها رياضيات في الإيقاع وفيزياء في الموجات الصوتية وتردداتها. الهارموني والكنترابانط رياضيات وفيزياء. ألوان الرسم فيزياء كوانتوم. أوزان الشعر العربي رياضيات إيقاع.
تعددية الإبداع أبعد من ذلك. خبراء الذكاء الاصطناعي الصينيون، الذين أطلقوا عفريت «ديبسيك»، فتحوا أبوابه لتوظيف نوابغ الأدب والفن، ليقينهم أن المواهب لا تتجزأ، لكن تعددية الإبداع متألقة في تراثنا. هل تفكرنا في أعمال أبي العلاء؟ لقد دمج البحث العلمي في الشعر، في «لزوم ما لا يلزم» خرج بالقافية من: قمر، شجر، سهر، أي حرف الراء فقط، إلى: قمر، سمر، غمر، أي حرفي الميم والراء، إلى: جليل، خليل، دليل، عليل، التي التزم فيها ثلاثة حروف، وزاد استقصاءً. لم يكتفِ بزخرفات الشكل، بل جعل الفلسفة هي الكعكة والدعابة الذكية الكرزة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفكريّة: الكون مصدر الإلهام، فالرياضيات تجلّت في الفيزياء، والفيزياء تشكلت في الكيمياء، وبالبيولوجيا أشرقت الحياة.

[email protected]