يونس السيد

منذ إنشاء إسرائيل وحتى اليوم، لطالما كان «الفيتو الأمريكي» حاضراً ضد كل ما يمس مصالحها أو يتعارض مع رغباتها السياسية والأمنية في المنطقة، لكن ذلك لم يشفع لواشنطن، هذه المرة، من الخضوع لاختبار «الفيتو الإسرائيلي»، عند أول قرار أمريكي لا يعجب نتنياهو وائتلافه الحاكم.
مع الاعتراف بوقوع خلافات إسرائيلية - أمريكية سابقاً، إلا أنها لم تصل يوماً إلى حد تهديد تل أبيب بإشهار «الفيتو» ضد واشنطن، رغم كل ما قدمته الأخيرة من دعم سياسي واقتصادي ومالي وعسكري لإبقاء إسرائيل على قيد الحياة، وذلك لمجرد قيام الولايات المتحدة بإعطاء شيء من التوازن لخطتها الساعية لحل الصراع في المنطقة. إذ بالنسبة إلى إسرائيل، إما أن تكون الحلول على مقاساتها وتنسجم مع مصالحها مئة في المئة أو لا تكون، وبالتالي فهي مستعدة للتمرد على كل من يخالفها الرأي، سواء كان المجتمع الدولي ومنظماته الإنسانية أو الأمم المتحدة ومؤسساتها بما في ذلك «الأونروا»، التي تنعتها بالإرهاب، رغم حصانتها الأممية، والتي شرعت في هدم مقرها الرئيسي في القدس، ورفعت علمها فوقه بدلاً من علم الأمم المتحدة.
اليوم وصل الأمر إلى أقرب الحلفاء والتهديد بإشهار «الفيتو» ضد الولايات المتحدة، لإشراكها دولاً معينة في «المجلس التنفيذي» التابع ل«مجلس السلام»، وهما مستويان من أربعة مستويات لإدارة الحكم في غزة، يضاف إليهما لجنة التكنوقراط الفلسطينية وقوة الاستقرار الدولية التي لا تزال قيد التشكيل. ومن هذا المنطلق، فهي تمنع اللجنة الفلسطينية لإدارة غزة، التي تحظى بدعم أمريكي، من دخول القطاع لممارسة عملها، ولا تزال ترفض فتح معبر رفح، رغم أنه من استحقاقات «المرحلة الأولى»، علاوة على الخلاف العلني الواضح بشأن تشكيل «المجلس التنفيذي».
وحقيقة الأمر أنها ترفض مجمل التحرك الأمريكي في غزة، بما في ذلك الانتقال إلى «المرحلة الثانية»، لكنها تناور خشية الصدام المباشر مع إدارة ترامب. وعندما يهدد نتنياهو بالتمرد على الإدارة الأمريكية، واضعاً «خطاً أحمر» على مشاركة دول معينة، خلافاً لرغبة واشنطن بالطبع، فمن الواضح أنه يخضع لضغوط داخلية لم تعد تقتصر على رؤى اليمين المتطرف الداعية لاحتلال القطاع وإعادة الاستيطان وتهجير الفلسطينيين، وإنما تتعدى ذلك إلى الأصوات التي ترتفع من داخل المعارضة، ومن شخصيات سياسية وعسكرية، ترى أن حرب السنتين فشلت وأن نتنياهو يقود إسرائيل إلى الهاوية.
وهناك في اليمين المتطرف من يطالب بإلغاء مركز التنسيق الأمريكي والانسحاب نهائياً من الخطة الأمريكية لحل الصراع. وفي المقابل هناك ضغوط أمريكية تصر على المضي قدماً، وفق المصالح والمعايير التي يمليها تحقيق الاستقرار والتقدم نحو تسوية الصراع في المنطقة. هكذا يجد نتنياهو نفسه بين المطرقة والسندان، فهل تسعفه مناوراته في عدم إغضاب واشنطن، أو منع الانقلاب الداخلي عليه، سؤال لن تطول الإجابة عنه كثيراً.

[email protected]