خالد راشد الزيودي *

من يقف على شاطئٍ عند الغسق، حين ينحسر البحر بهدوء تاركاً خلفه فراغاً يثير التساؤل، يراقب موجاً قديماً ينسحب ببطء، من دون أن تتضح في الأفق ملامح الموجة التالية، يقف العالم اليوم عند لحظة تاريخية مفصلية. لحظة لا تمثل نهاية قاطعة ولا بداية مكتملة، بل مرحلة انتقالية تتقاطع فيها أنماط مألوفة من النظام مع مؤشرات غامضة على تحولات قادمة، ويختلط فيها القلق بالترقّب، والحذر بمحاولات الفهم.
هذه المرحلة التي يمكن توصيفها بحالة «اللانظام» لا تعني غياب النظام كلياً، بقدر ما تعكس تراجع مستوى اليقين الذي كان يحكم العلاقات الدولية. يقين بوجود قواعد مستقرة، أو مؤسسات قادرة على فرض التوازن، أو مرجعيات متفق عليها تضبط السلوك الدولي وتحمي المصالح المشتركة. في هذا السياق، يبدو العالم وكأنه يتحرك إلى الأمام دون إطار واضح، تحكمه التفاعلات الآنية أكثر مما تحكمه الرؤى الطويلة المدى، وتدفعه الأزمات المتكررة إلى إعادة النظر في مفاهيم الأمن والشرعية وتوزيع القوة.
وفي الوقت الذي ينسحب فيه النظام الدولي القائم تدريجياً، مثقلاً بتحدياته وتناقضاته، يقف المجتمع الدولي مترقباً ملامح نظام جديد لم تتبلور قواعده بعد. نظام لا يُعرف إن كان قادراً على توفير قدر أعلى من الاستقرار، أم أنه سيعيد إنتاج حالة من عدم اليقين بصورة أكثر تعقيداً وتنظيماً.
لم يعد التنافس الدولي محصوراً في الأبعاد العسكرية التقليدية، بل اتسع ليشمل المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية، وحتى الخطاب الدبلوماسي والإعلامي بين الدول. وكأن الإطار الذي كان ينظم هذه التفاعلات، ولو في حدوده الدنيا، قد فقد كثيراً من فاعليته، ما جعل النظام الدولي أكثر انكشافاً أمام منطق القوة والمصالح المتعارضة، في ظل غياب خطوط فاصلة واضحة تحكم هذا التنافس.
في هذا السياق، شهدت السياسة الدولية خلال السنوات الأخيرة تحولات ملحوظة، خصوصاً في مقاربة بعض القوى الكبرى للعلاقات الدولية. فقد برز اتجاه يركّز على أولوية المصالح الوطنية المباشرة، على حساب الالتزامات المتعددة الأطراف، وهو ما انعكس على دور المؤسسات الدولية وآليات العمل الجماعي. لم يكن هذا التحول مجرد تعديل في السياسات، بل مثّل اختباراً حقيقياً لقدرة النظام الدولي على التكيف مع متغيرات البيئة الدولية.
وعلى الرغم من أن النظام الدولي لم يكن يوماً منظومة قانونية مكتوبة بالمعنى الحرفي، إلا أنه شكّل إطاراً عاماً ينظم التفاعل بين الدول، ويحدد سقوف التنافس، ويحدّ من احتمالات الانزلاق إلى الصراع المفتوح. هذا الإطار قام، نظرياً، على مبدأ السيادة المتساوية، وعلى احترام القواعد والمؤسسات الدولية. غير أن هذا الدور تراجع بشكل ملحوظ، إلى حد باتت فيه هذه المنظومة عاجزة عن أداء بعض وظائفها الأساسية، مثل احتواء النزاعات أو توفير مظلة شرعية فعالة للتعاون الدولي.
بعد الحرب العالمية الثانية، تشكّل نظام ثنائي القطبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، قائم على توازن الردع وتقاسم النفوذ. ورغم ما شهده من توترات وصراعات غير مباشرة، فقد حافظ على مستوى معين من الاستقرار الدولي. ومع انتهاء الحرب الباردة، انتقل العالم إلى مرحلة القطب الواحد، حيث تمتعت الولايات المتحدة بنفوذ واسع سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وأسهمت في رسم ملامح النظام الدولي خلال تلك المرحلة.
إلا أن هذا التفرد بدأ يتراجع مع صعود قوى دولية فاعلة مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل، ما أدى إلى إعادة تشكيل موازين القوة العالمية. ولم يكن التحدي مقتصراً على البعد الكمي للقوة، بل شمل أيضاً فاعلية النظام الدولي في تحقيق الأمن والاستقرار، وفي تطبيق قواعد القانون الدولي بصورة متوازنة.
في هذا الإطار، أصبح الانسحاب أو التراجع عن بعض الالتزامات الدولية سمة من سمات المرحلة، ما أسهم في إضعاف المؤسسات المتعددة الأطراف وتعميق أزمة الشرعية الدولية. ونتيجة لذلك، بات النظام الدولي أقل قدرة على فرض قواعد موحدة، وأكثر تعرضاً للتفسيرات الانتقائية لمبادئه.
اليوم، يمر العالم بمرحلة انتقالية دقيقة، يتفكك فيها النظام القائم تدريجياً، بينما لم تتضح بعد معالم النظام البديل. وفي هذه المنطقة الرمادية، تتزايد الأزمات وتتسع الفجوة بين النصوص القانونية والواقع السياسي. ولم يعد السؤال يدور حول الحاجة إلى نظام دولي جديد، بل حول طبيعته، والجهات القادرة على صياغته، ومدى قدرته على تحقيق توازن أكثر عدالة واستدامة.
فعندما يصبح تجاوز القواعد أمراً مألوفاً تفقد المؤسسات الدولية جزءاً من دورها، ويتحول القانون الدولي إلى مرجعية أخلاقية أكثر من كونه أداة تنظيم فعالة. وفي مثل هذا السياق، لا تتحمل كلفة عدم الاستقرار جهة واحدة، بل تتوزع تبعاته على الجميع، بما في ذلك القوى الكبرى، التي تجد نفسها في نهاية المطاف أمام عالم أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر تعرضاً لمخاطر غير محسوبة، كما يقف العالم اليوم على شاطئ التحولات الكبرى، فإن شكل الموجة القادمة لن يتحدد بقوتها وحدها، بل بقدرة المجتمع الدولي على استعادة المعنى قبل استعادة النفوذ.

 [email protected]

*باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر