عثمان حسن
من منا لم يسمع بالثقافة الآسيوية، هذه الثقافة الغنية والمتنوعة، والاستثنائية، بكل ما للكلمة من معنى، إنها ثقافة ذات تراث تاريخي عميق، في دياناتها وفلسفاتها وأنظمتها القيمية والأسرية، وهي عميقة في فنونها واحتفالاتها وتجاربها التي تنجح اليوم في مزجها بين التقاليد القديمة والتطور الحديث، وتظهر ثراءها في الفنون، والمهرجانات، والقيم المجتمعية، والابتكار.
لنتأمل جيداً الثقافة اليابانية، وخذ مثلاً طقس شرب الشاي، وهو طقس يحتفي بالسلام والضيافة، وله أهمية وجدانية لدى الياباني، فهو يشرب الشاي في طقس مهيب للتأمل والراحة والتركيز، إنه ابن تلك الثقافة التي يطلق عليها (التماثلية) التي تمزج بين الأصالة والحداثة والتركيز على الانسجام الجماعي.
وأنت اليوم تستطيع أن تتجول في شوارع اليابان فترى الناس يرتدون الكيمونو والصنادل الخشبية في الوقت الذي يتصفحون هواتفهم، أو يحتسون قهوتهم من ستاربكس.
وهذه المزاوجة الثقافية في السلوك الياباني لا تزال تبهر الجميع، خاصة مع التطور التكنولوجي والعصري الذي لعبت فيه اليابان بخاصة دوراً محورياً في العالم المتقدم اليوم.
وأنت حين تسأل الياباني عن جذوره، يقف أمامك ليتلو على مسامعك سردية الأسلاف بتقدير عظيم، وتشعر معه بالامتنان، وهو يمارس ثقافة معاصرة متجذرة بعمق في التقاليد القديمة.
هو كما قلنا ياباني يقدّر الجمال في البساطة والطبيعة، وهي أيضاً بالنسبة له ثقافة مقترنة بالشرف والعدالة والانسجام والروحانية.
لكن، في المقابل، كيف يمكننا توصيف حال الفرد اليوم، وما هو مقدار اكتسابه لعادات ثقافية جديدة، في عصر التكنولوجيا وانتشار وسائل المعرفة التقنية والرقمية، هل بتنا أكثر قرباً من أنفسنا، هل تصالحنا مع ذواتنا، ونحن نهرع إلى تلك الوسائل التي باتت -كما يؤكد الخبراء- منصات لتبادل المعرفة وتعزيز أواصر التواصل بين الشعوب؟
في الحقيقة ليس من «بارومتر» حقيقي يمكن له قياس هذه المنافع المتبادلة لدى الشرائح المختلفة من الناس، حين تخاطب اليافعين والشباب، تجدهم منهمكين في عوالم جديدة، لم تكن متاحة لكبار السن، يتبادلون بصمت كل حسب رغبته ما يود أن يستحوذ عليه من هذه الوسائل، سواء كانت معرفة علمية أو أدبية أو تقنية، ونحن لا نجد مثل هذا الانسجام عند كبار السن، فهم في الغالب، مثقفون محافظون، ميالون إلى الانتقاد، وهم بطبعهم تقليديون، وربما «متأففون» وغير ميالين للتعامل مع وسائل التكنولوجيا الحديثة، في كلا النموذجين، نحن لا نكاد نعثر على مثقف متصالح مع نفسه، نموذج يمكن أن يقال عنه مثالي، ويعيش أجواء سكينة تهطل عليه حباً وسلاماً، على غرار ما يشعر به الياباني وهو يمارس أقصى طقوسه الحياتية واليومية.