عثمان حسن

البحر، ذلك الغامض والجبار والشامخ، كان ميداناً لكثير من الروايات التي استندت إلى فضائه الشاسع، فولدت أعمالاً سردية غاية في المتعة والإدهاش، من خلال تصوير أحداث درامية مغامرة ما بين الواقع والخيال، وذلك الغموض الذي يكتنف الشخصيات في صراعها من أجل البقاء، وربما تكون «العجوز والبحر» لإرنست همنغواي، و«موبي ديك» لهرمان ميلفل، وعربياً، ثلاثية «حكاية بحار» للكاتب السوري حنا مينا، إلى جانب «السفينة» لجبرا إبراهيم جبرا، من أبرز الأعمال الخالدة في هذا المجال.
فمن منا لم يستمتع ب«العجوز والبحر»، هذه التحفة الروائية التي تصور قصة صراع صياد عجوز مع سمكة ضخمة، بأسلوبها السردي المباشر والبسيط، حيث تجسد بعمق فلسفة الصمود والمقاومة أمام الشدائد، وتكمن قوة الرواية في تصوير الصراع بين الإنسان والطبيعة، أما رمزية الرواية فتتمحور حول انتصار الروح وإن حدثت خسائر عابرة. أما «موبي ديك» فهي كذلك، من الأعمال المهمة في صلتها بالبحر، إذ تصنف باعتبارها ملحمة أدبية فريدة، في مزجها بين الواقع والخيال، حيث مغامرات صيد الحيتان والتأملات الفلسفية الوجودية العميقة. هذه الرواية غنية بمحمولاتها الرمزية وتصويرها للصراع الإنساني ضد الطبيعة والجنون، ناهيك عما تمتاز به من مزج فريد بين السرد والدراما المسرحية والمعلومات الموسوعية.
توثق «حكاية بحار» حياة البحارة السوريين وصراعهم من أجل البقاء والحرية، والرواية تجسد البطولة الإنسانية من خلال شخصية سعيد حزوم، فيما يقف البحر عند حنا مينا في ثلاثيته هذه، باعتباره رمزاً للحرية والهروب، وأيضاً الخوف والموت.
أما من يقرأ «السفينة» لجبرا إبراهيم جبرا، فيدهشه في هذا العمل البديع أنه يمثل نموذجاً للحداثة العربية من خلال قدرة مؤلفها على دمج تقنيات الرواية الغربية الحديثة بتلك النكهة العربية الفلسطينية، ناهيك عما في الرواية من قوة في السرد، والتكثيف الرمزي.
بطبيعة الحال، لم تتوقف الروايات التي شكل البحر جزءاً من نسيجها الدرامي والبنائي عن الصدور، فهناك «روبنسون كروزو» للإنجليزي دانييل ديفو، وهي الرواية الكلاسيكية التي يستند أسلوبها إلى السيرة الذاتية التخيلية، كما أنها تعد كسابقاتها من الأعمال التي تبرز قدرة الإنسان على التكيف ومواجهة أقسى الظروف كالعزلة والخوف ونقص الموارد.
في كل هذه الروايات وغيرها، نتوقف أمام متعة السرد وتنوعه، وأمام تقنيات عديدة تقليدية وحداثية، كما أن معظم هذه الأعمال تتبنى موضوعات تمزج بين الذاتي والسياسي من خلال لغة شاعرية عالية مليئة بالرموز والدلالات، من دون أن تنسى البعد الإنساني، الذي يخلد هذه الأعمال، ويكسبها تعاطف القراء، كمرايا تعكس الواقع الاجتماعي والنفسي.

[email protected]