د. منصور جاسم الشامسي
قال توماس جيفرسون، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، وكاتب بيان الاستقلال الأمريكي (1776)، وثالث رئيس أمريكي (1801–1809)، والمُفكر والمُنظر السياسي: «رأيت ما يكفي في حربٍ واحدة، ما يجعلني لا أرغب أبداً في رؤية حرب أخرى»، وعارض استخدام بريطانيا القوة ضد الثوار الأمريكيين المُطالبين بالاستقلال، وتَمسك بالعمل السياسي والدبلوماسي، ومبدأ الحياد، عدم التدخل والاستقطاب، تجنباً للحرب، والأعمال العسكرية، والمواجهات، الخارجية، الخطرة، وأيده، جون آدمز، الرئيس الأمريكي الثاني (1797-1801) وكان يؤمن بالمقاومة المدنية والطرائق الدبلوماسية، لحل النزاعات، والذي قاد مفاوضات السلام مع بريطانيا، بصبر، واحترافية، رغم النكسات، وتوصل إلى معاهدة سلام تاريخية، في فبراير/شباط 1783 تؤكد استقلال الولايات المتحدة، نهائياً.
ومنذ حرب الاستقلال الأمريكية (1775–1783) وحتى وقتنا الحاضر، 2026، ظل سؤالُ وموضوع الحربِ والتدخل الخارجي والسلامِ «مُحَيّراً» و«تَحَدّياً» و«مُعْضِلَةً» تواجهُ صانع القرارِ السياسي الأمريكيِّ، إما النأي عن الحرب، وعدم الانخراط فيها، وعدم التدخل، واستخدام القوة العسكرية، إلّا، في أُطرها التشريعية والقانونية والشرعية والدستورية، أو، العكس، خوض الحرب، من دون هذه الأطر والقواعد.
واقعاً، صناعة القرار السياسي الأمريكي حالياً أمام مُعضلتي فنزويلا وإيران. إذ دخلت الولايات المتحدة في حرب فعلية، مباشرة، مع الدولتين، ومحاولة تغيير نظاميهما السياسيين الحاكمين، في الفترة الماضية، وظل احتمال «قرار استئناف الحرب»، معهما، قائماً. لذا، صار المشهد السياسي الداخلي الأمريكي مُعقداً، ومُحتدماً، ما بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومُعارضيه، في الكونغرس، يقودهم السيناتور الديمقراطي، الدكتور تيم كين، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فرجينيا، والأستاذ الجامعي، الذي يمارس «السياسة الهادئة» و«طويلة النفس» (شبيهة بسياسة توماس جيفرسون وجون آدمز) يطرح عبرها مشروعات قوانين، لتقييد سلطة الرئيس في استخدام القوة المسلحة، وذلك، لإعادة سلطة إعلان الحرب للكونغرس.
في 2020 خلال فترة ولاية الرئيس ترامب الأولى، طرح كين تشريعاً لمنع الرئيس من شن حرب على إيران، وحظي بتأييد في مجلسي الشيوخ والنواب، وبدعم من بعض الجمهوريين، لكنه لم يحصل على الأصوات الكافية ليتغلب على حق النقض الرئاسي. وفي 16 يونيو/حزيران 2025، حَدّث كين التشريع بشأن صلاحيات الحرب، ليؤكد أن الدستور الأمريكي يمنح الكونغرس وحده، وليس الرئيس، سلطة إعلان الحرب. وذكر كين في بيان: «ليس من مصلحة أمننا القومي الدخول في حرب مع إيران إلا إذا كانت تلك الحرب ضرورة لا مفر منها للدفاع عن الولايات المتحدة. وبموجب القانون الأمريكي، تحظى تشريعات صلاحيات الحرب بأولوية النظر، وطرحها باستمرار في الكونغرس، يُشكل ضغطاً على الرئيس ترامب، وقد حذر عدد متزايد من المشرعين الأمريكيين، الرئيس، من الانجرار إلى صراع يرون أنه لا يخدم مصالح الولايات المتحدة. وقد صوت مجلس الشيوخ الأمريكي في 8 يناير/كانون الثاني 2026 على قرار، يمنع، الرئيس، من استخدام القوة العسكرية «داخل أو ضد فنزويلا» (ويُمكن استخدام التشريع تجاه أي دولة أخرى) ما لم يحصل على موافقة مسبقة من الكونغرس. ولكي يصبح مشروع القانون قانوناً، يجب أن يُقره مجلسا الشيوخ والنواب، وأن يوقّعه الرئيس ترامب، الذي من المرجّح أن يعرقله. لكن بإمكان الكونغرس تجاوز حق النقض الرئاسي بأغلبية ثلثي الأصوات في مجلسي النواب والشيوخ.
وفي 14 يناير 2026 أظهر استطلاع رأي، نشرته صحيفة «بوليتكو الأمريكية»، وأجرته جامعة كوينيبياك، بين الناخبين المسجلين أن 70% منهم يعارضون التدخل العسكري الأمريكي في إيران، حتى لو قُتل متظاهرون هناك أثناء احتجاجهم ضد الحكومة الإيرانية. كما أظهر الاستطلاع أن 70% من الناخبين يعتقدون أنه يجب على الرئيس الحصول على موافقة الكونغرس، أولاً، قبل اتخاذ أي إجراء عسكري.
وكانت هناك استعدادات عسكرية أمريكية، جارية، للهجوم على إيران، تزامناً مع الاحتجاجات الإيرانية، ولكن، الرئيس ترامب، تراجع، عن الهجوم العسكري، وجَنَح للتَهدئة، كما تراجع، عن هجوم عسكري إضافي على فنزويلا، ومال للحل السياسي. كِلا، التراجعين، واقعييّن، نتيجةً لضغوط المعارضة داخل الكونغرس، والرأي العام الأمريكي، ولعوامل خارجية استراتيجية.
يستند «مشروع القانون»، لقانون صلاحيات الحرب لعام 1973، الذي أُقرّ خلال حرب فيتنام لتقييد صلاحيات الرئيس الأحادية في شنّ أعمال عدائية عسكرية. يمنح الدستور الأمريكي الكونغرس سلطة إعلان الحرب، إلا أن رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين – وفقاً لمصادر أمريكية – استغلوا مناصبهم كقادة أعلى للقوات المسلحة لتعبئة القوات، وشن الهجمات، والأعمال، العسكرية، دون تفويض صريح من الكونغرس. لم يعد القرار العسكري الأمريكي شأناً داخلياً بل عالمياً.