يروى أن زعيماً كان يرى في المنام جميع أسنانه تتساقط، ثم يستيقظ فزعاً ليتأكد من أسنانه التي يجدها مكانها بعد استيقاظه، وكان الحلم يتكرر عليه كثيراً، فقرر استدعاء أحد المفسرين الذي قال له: إنك سترى أهلك يموتون جميعاً أمام عينيك الواحد تلو الآخر.
فزع هذا الزعيم وقرر حبس المفسر بسبب فأله السيئ.
ثم تكرر الحلم مجدداً واستدعى مفسراً آخر أجابه بذات الإجابة ونال نفس الجزاء، إلى أن استدعى مفسراً حكيماً قص عليه حلمه، فأجابه الرجل: أيها الحاكم إن هذا لخير عظيم! فاستبشر الزعيم ثم قال له المفسر: إن تأويل رؤياك هو أنك ستكون الأطول عمراً بين أهلك جميعاً، فابتسم الملك وأمر له بجزيل العطايا! لم يغير المفسر حقيقة الرؤيا وتأويلها، لكنه أجاد طريقة توصيلها وعرف كيف يمتص غضب الزعيم، فالحقيقة هي ذاتها، لكنه استطاع أن يقدمها كباقة ورد، بدلاً من أن يرميها على الوجه كحجر.
قالوا قديماً: «لا تقل لي ماذا قلت، بل قل كيف قلته»، فليس من المهم أن تكون الحقيقة بيضاء ناصعة بالخير، لكن طريقة إيصالها للغير هي الأهم، إذ كثيراً ما نسمع ونشاهد مواقف تتطور ومشكلات تحدث وتكبر بسبب طريقة الكلام وردود الفعل، بينما كان يمكن تفاديها لو أن صاحب الشأن استطاع إيصال وجهة نظره وتفاصيل الموقف بشكل لطيف يراعي مشاعر من حوله، فالأسلوب هو الوعاء الذي تقدم فيه المعاني، إذ من الممكن أن يكون الخبر أو الرسالة أو الموقف مليئاً بالأذى والسوء، لكن طريقة إيصاله وأسلوب نشره قد يكونان أول أسباب قبوله وتجاوزه.
وقد وضع علماء النفس والاجتماع ومدربو التنمية البشرية الكثير من الاستراتيجيات في هذا المجال كاستراتيجية «السندويتش» التي تعتمد على ضرورة البدء بالجيد ثم إيصال الفكرة والانتهاء بالجيد مرة أخرى، واستراتيجية التمهيد النفسي، والتركيز على الفعل لا الشخص وغيرها من الطرائق التي من شأنها تخفيف الوطء على المتلقي مهما كان الكلام صادماً والحقيقة بشعة.
العبرة في كيف وليس ماذا
5 فبراير 2026 00:06 صباحًا
|
آخر تحديث:
5 فبراير 00:06 2026
شارك