كان يوماً حافلاً بقدر ما كان استثنائياً.. يومٌ يتطلب جهداً مضاعفاً في ظل انشغاله بتنظيم القمة العالمية للحكومات، أكبر تجمع من نوعه في العالم، غير أن هذا اليوم حمل مفاجأة من طراز خاص، أسعدت صاحبها وأسعدتنا جميعاً.

فرغم انشغاله برئاسة القمة واطلاعه على تفاصيلها الدقيقة، لم يكن محمد بن عبدالله القرقاوي، على علم بأن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، سيكرّمه بوسام الاتحاد تقديراً لإسهاماته الوطنية، ليصفه القائد بأنه من الكوادر الوطنية التي قدّمت نموذجاً متميزاً في العمل الحكومي، ومؤكداً أن «محمد القرقاوي ملتزم، مخلص، وصاحب كفاءة عالية في خدمة الدولة».

وزير شؤون مجلس الوزراء محمد بن عبدالله القرقاوي.. التقيته للمرة الأولى قبل سنوات طويلة، لكن ذلك اللقاء لا يزال في الذاكرة كأنه بالأمس. كان ذلك في مبنى الدائرة الاقتصادية المطلة على خور دبي، كان هذا اسمها آنذاك. وكان ذلك الشابُ النشط، المفعم بالحيوية، مبتسماً دائماً، ومنفتحاً على الجميع. يستمع إلى مراجعيه، يمنحهم من وقته، ويسعى بصدق لحل مشكلاتهم.

كان لقائي به يومها خلال الاستعدادات لإطلاق حدث ضخم في الإمارة: مهرجان دبي للتسوق، حيث تولى القرقاوي مهام قيادية في عامه الثاني. كان الحدث الضخم يحتاج إلى تنسيق واسع بين الدوائر والمؤسسات الحكومية التي اعتادت حتى ذلك الوقت العمل كلٌّ في نطاق اختصاصه.

في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، اختار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، محمد القرقاوي من بين مئات الكوادر الشابة، ليكون جزءاً من فريقه القريب. وكلفه مباشرة متابعة المبادرات والمشاريع والإشراف على تنفيذها.

ومنذ ذلك الحين، انطلق قطار الإنجازات عند القرقاوي وتوالت النجاحات على مختلف الصعد. من مدينتي دبي للإنترنت والإعلام، إلى المدن المتخصصة الأخرى، مروراً بإطلاق برامج إدارية تُعنى بالجودة وتأهيل الكوادر والقيادات الحكومية، وصولاً إلى تأسيس مؤسسات ومبادرات شكّلت علامات فارقة في مسيرة دبي التنموية والإدارية، ثم اختاره الشيخ محمد بن راشد في فريقه الوزاري، ليتولى المستقبل الإداري للحكومة والوزارات وبناء الشركات بهدف الارتقاء بالخدمات وتعزيز الهوية الوطنية ورفع راية الاتحاد عالية.

عندما يختار محمد بن راشد فريقه، فهو لا يختار عبثاً، فسموه يجيد قراءة الرجال قبل المواقع. وبنظرة ثاقبة يعرف قدرات كل فرد، وعلى أي الفرسان يراهن. فهو صاحب الرؤية والخبير بتفاصيل سباقات الحياة ومضاميرها.

والحديث عن الوزير القرقاوي يطول ويتشعب، بدءاً من شعاره الدائم: «الوطن أولاً». وهو شعار لم يكن مجرد عبارة تتردد، بل ممارسة يومية.. ابتعد عن «الأنا»، وكرّس جهده لتأهيل عشرات الكوادر الإدارية التي أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من نسيج القيادة الحكومية في العملين الاتحادي والمحلي، في حين أن إيمانه راسخ بأن ابن الإمارات قادر ومعطاء، متى حوّل عمله إلى شغف لا إلى وظيفة.

وبصفتنا إعلاميين نتابع المشهد الإداري الحكومي ونتعامل يومياً مع كوادره، التقينا محمد القرقاوي بشكل دائم على مدار الأعوام الماضية، عبر المبادرات والأحداث التي يشرف على تنظيمها والأفكار التي يتبناها وفرق العمل التي يبنيها، فيما عُرف عنه، غيابه عن الكثير من هذه المشاريع بعد عامين أو ثلاثة، بعد نقل قيادتها إلى كفاءات وطنية شابة جديدة من الصفوف الاولى والثانية.

عرفنا «بو سعيد» من قرب، وعرفنا تجسيده لمقولة يرددها دائماً: «الرجل موقف». كان رجلاً في مواقفه، في السراء والضراء. لم تغيّره المناصب، ولم تبدّل ضغوط العمل من طبعه. يلتقيك بمحبة، ويودعك إلى باب المصعد بابتسامة.. كريم، لا ينظر إلى ساعته، ولا يحسب الوقت، لا فرق عنده بين يوم عمل وعطلة أسبوعية.. عرفناه في دماثة أخلاقه وبساطة تعامله مع الجميع، لا ينام قبل أن يرد على اتصالك، حتى وإن كان يدرك أنه مجرد مجاملة.

هكذا هم رجال الوطن الذين يصنعون الفارق، وهكذا يكون التكريم حين يلتقي القائد أحد فرسان الوطن. تكريم للنهج والنموذج، تكريم للشخص المسؤول بما حقق وأنجز، والأثر الذي تركه في مسيرة عمله الطويلة على كل المستويات العملية والشخصية.

[email protected]