قد نلاحظ أننا أحياناً نكون غير مرتاحين أو متوترين عندما نكون مع أشخاص معينين، حتى لو لم يتم توجيه إساءة مباشرة لنا، ولا نشعر بالراحة معهم، بينما في المقابل نجد أنفسنا مع أشخاص آخرين نشعر بالحماسة والسعادة عندما نقضي الوقت معهم، دون سبب مباشر قد نلاحظه. من الممكن أن يكون هنالك من فكّر في الأمر سابقاً، وقد يفسره البعض بأنه مجرد مشاعر، لكن العلم يخبرنا شيئاً أكثر دقة، شيئاً مدروساً وعلمياً، وهو أننا نعتبر كأننا كائنات مسامية عاطفياً، نمتص المشاعر التي تدور في الهواء حولنا. لذلك إذا كنت تظن أن مشاعرك هي أمور خاصة مغلقة فأنت مخطئ، الحقيقة هي أننا نلتقط حالات الآخرين النفسية تماماً كما نلتقط الفيروسات، وبنفس السرعة والسهولة، ودون أن نقوم بأي شيء. هذه الظاهرة تُعرف في علم النفس بالعدوى العاطفية، وهي ليست مجرد تعاطف، بل عملية بيولوجية عصبية معقدة تحدث في أجزاء من الثانية.
عندما تجلس أمام شخص قلق أو غاضب، يقوم عقلك بشكل لا إرادي بتقليد تعبيرات وجهه الدقيقة ونبرة صوته، ووضعية جسده. هذا التقليد الجسدي الخفي يرسل إشارات فورية إلى مُخّك لفرز نفس الهرمونات التي يفرزها جسد الشخص الآخر. وقد عرّف الباحثان إيلين هاتفيلد وجون كالسيبو، هذه الظاهرة في دراستهما قائلين عنها: «إنها الميل التلقائي لتقليد ومزامنة تعبيرات الوجه، والنبرات الصوتية، والوضعيات، والحركات مع شخص آخر، وبالتالي، التقارب معه عاطفياً». هذه المعلومات من المفترض أن تغير بشكل كبير نظرتنا لطرق التعامل مع علاقاتنا الاجتماعية. حين ينصح العلم أيضاً باختيار الرفقة الصالحة أو الإيجابية، فالنصيحة لم تعد مجرد توجيه أخلاقي أو مثاليات، بل هي بمكانة النصيحة العلمية التي تحمي حالتنا النفسية. الجلوس بجانب شخص دائم الشكوى والتذمر هو بمثابة استنشاق دخان سلبي من المشاعر، سيضر صحتك النفسية والجسدية حتماً مهما كانت مناعتك قوية. المسؤولية هنا مشتركة أيضاً، أن نحمي أنفسنا من العدوى السامة باختيار من نجالسهم بحذر، وأن ننتبه لما نبثه نحن أيضاً في عائلاتنا ومجتمعنا، فابتسامتك في وجه أقاربك ومجتمعك ليست مجرد تبرع منك، بل واجب أخلاقي وصحي لكيلا تكون جزءاً من العدوى العاطفية.