لماذا لا يُتحفنا الخبراء الاستراتيجيون، الذين تفرّخهم الفضائيات الـــعربية، بما يشفي الغليل، في شأن الشعب الأمريكي؟ مكانة الإمبراطورية، وفعــــلها الساحق الماحق في الأحداث، يُمليان على ثمالة الوعي المتبقــــية، معرفة مدى علاقة ذلك الشعب بنظامه؟ هل هما مثل: «روحه روحي وروحي روحه»؟ أم الإدارة العليا لا تمثل الناس؟
المسألة قضية جوهرية. إذا كان الربابنة يخططون وينفّذون، ولا يُسألون عمّا يفعلون، فعلام الضجّة الكبرى التي تقيم الدنيا ولا تقعدها، تحت أكذوبة تحرير البلدان من براثن طبائع الاستبداد، ومصيدة نشر الديمقراطية؟ وإذا بهذه الأساطير الاستعمارية، تجرّ الأساطيل، وإذا التسونامي يحيل الديار قفارا. إذا كان الشعب هناك لا تربطه رابطة بسلوكيات قمرة القيادة، فما الفرق بين الإمبراطورية، والأنظمة الدكتاتورية، التي يبشّرون شعوبها بالخروج من الأدغال إلى جنان الحضارة؟ أمّا إذا كان الثلاثمئة مليون على قلب رجل واحد مع الملّاحين، فويل للظامئين إلى زلال العدالة في غبراء ليس فيها غير السراب والملح الأجاج.
ما رأيك في العالم، كيف سيكون، إذا كان شعب الإمبراطورية كله على شاكلة قمرة القيادة؟ يجب أن يكون دماغك معتّقاً في الكاريكاتور، حتى تستطيع استيعاب الواقعية السياسية التي يرى الإمبراطور من خلالها الدنيا. تخيّل مساحةً ضئيلةً، مثل غزّة، كم تشكّل غزّة قياساً على مساحة الولايات المتحدة، تسعة ملايين كيلومتر مربع؟ تلك القطعة المجهرية، يباد فيها سبعون ألف آدمي، بعد تجويع وترويع، معظمهم أطفال ونساء، ويصاب مئتا ألف بكل ألوان العاهات، ويأتي حضرة الإمبراطور، ويقترح على المنكوبين، («ليس من مات فاستراح بميتٍ.. إنما الميْت مَيت الأحياءِ»)، تحويلَها إلى ريفيرا، يستغلها لشخصه، بإشراف صهره.
لكن، كل تلك التراجيكوميديا، تلوح ثانويةً، إذا تكرّم ذهنك بالتفكير لحظة، في أن خبراء الاستراتيجية في الفضائيات العربية، قد أمسوا كأعوان التعداد السكاني، فهم يعدّون ضحايا القصف، وأنواع المدافع وأحجام القذائف. دور إيجابي في تعزيز الثقافة العسكرية. ببساطة: العالم العربي سلّم المقاليد للمنظمة الأم، وهذه ليست ثكنة عسكرية ولا قاعدة، لهذا سلّمت أمرها لمنظمة الأمم، وهذه لجامها في يد الإمبراطورية، وهذه تتلخص في الإمبراطور.
لزوم ما يلزم: النتيجة المنسيّة: العقبة أمام العالم العربي، هي ظنّه أن العالم كله ينسج المصير على المنوال نفسه. حال، لا بدّ لها من نظام عالمي يجعل الزمان يعود منها تائباً.
[email protected]