هل سيُحال المحللون السياسيون على البطالة؟ كوميديا سوداء قد تضعهم في الظل خارج الأحداث. لم يكن ينقصهم إلاّ أن يرتدوا الطيلسان الأسود، الذي كان العلماء يرفلون فيه بين الناس، اليوم قد لا يجدون بدّاً من «الخرقة» التي كان يُعرف بها الصوفيون. لا ألغاز بعدُ في السياسة والدبلوماسيّة لدى الإمبراطور ووزير خارجيته.
لا يوجد على الكوكب مسؤول يضع أمام الرأي العائم العالمي مقاصده وخفايا مخططاته، مثل صاحب التاج والصولجان. لم يَبق لأبناء السبيل في التحليل، سوى تفسير الماء بالماء، مثل ترديد ذلك الطائر الملون الجميل. ولّى زمن الرموز والطلاسم. قمرة القيادة العالمية تأبى أن تكون السياسة والدبلوماسية أحجيات. كان هنري كيسنجر يصطحب في جولاته عدداً من رؤساء التحرير، في الطائرة يعطيهم المفاتيح: «حين أقول لكم إن المحادثات كانت ودية، فالمعنى أنها كانت كلاماً فارغاً، فإذا قلت إنها كانت صريحةً فالمقصود أنها كانت حلبة صدام مكشوف، وأمّا حين أقول إننا نصحنا أصدقاءنا بكذا وكذا، فإننا قلنا لهم إذا لم تفعلوا ذلك، فالويل لكم».
طريف أن المحللين يستهويهم التلاعب بالحروف، فتأخذ الضاد مكان الحاء، فنرى التضليل، تارةً يلعبون دور المنجم، وأخرى مثل الديك الرومي انتفاخاً للإيهام بأن أيديهم إلى المرفق في سمن الأسرار. فما أحلى الصراحة مثلما قطع الأمريكي الكوبي ماركو روبيو قول كل خطيب في مؤتمر ميونيخ للأمن. خطبة عصماء في ثلاثة آلاف كلمة، كأنما عبّ من مناهلنا. الراحل فيديل كاسترو كان في خطبه نجم مسرح وأوبرا معاً. بيت القصيد التحرر من الغموض والإبهام. في الإمكان تلخيص النصّ في بضع جمل، فاسمعوا هذه الرباعية: «لقد هيمن الغرب خمسمئة سنة، وآن أوان استعادتها، وإذا لم تنضم أوروبا، فسوف تفعل الإمبراطورية ذلك بمفردها. أوروبا لم يعد لها دور. الشرق الأوسط له دور في تحديد أسعار النفط. الصين هي الهدف الرئيسي». لا حاجة إلى تحليل. الذكاء الاصطناعي غير مسؤول عن فقدان المحللين وظيفتهم.
لزوم ما يلزم: النتيجة التأملية: ما هو دور ثلاثة أرباع الكوكب، لا في السنوات الثلاث المتبقية للإمبراطور، بل في بقية القرن. الغرب لا يرى غير الغرب.
[email protected]