برزت إبداعات الخطاطين الإماراتيين في السنوات القليلة الماضية لتنافس ما سبق وأنجزه كبار الخطاطين المعروفين في العالم العربي والإسلامي، وكانت هناك الكثير من التجارب الفنية المحلية، في كافة أشكال الخطوط المعروفة من ثلث ونسخ وكوفي وديواني وجلي ديواني وغيرها من الإنجازات التي تركت بصمة في رصيد هؤلاء الخطاطين، وأصبحت تشارك في ملتقيات ومهرجانات خطية وتحصل على جوائز وتكريمات مقدرة.
لدينا لوحة للخطاطة الإماراتية نرجس نور الدين استخدمت فيها آية الكرسي وأنجزتها بالخط الجلي الديواني، الذي تبرع في تكوينه على نحو تتميز به مقارنة مع أقرانها من الخطاطات والخطاطين.
أول ما يمكن تسجيله في هذه اللوحة البديعة هو حرص الفنانة على تكوين شكل فني بارع من الناحية البصرية والجمالية، فهي تؤمن بأن الخط يجسد لغة فنية مرئية، تستبطن التراث العربي والإسلامي الخالد، ويتوجب على الخطاط أن يتعامل مع هذا المنجز التراثي الأصيل بروح وقدسية تليق به، ويحرص على مقاربة ما فيه من دلالات ومعان، ولا سيما إذا كان من نوع النصوص الدينية والقرآنية.
اللوحة تستلهم آية الكرسي كما أشرنا، وقد نفذتها نرجس نور بتشكيل فني آسر يكرر أجزاء من نص الآية بطريقة مدروسة، توحي بمعاني الآية من حيث الامتداد واللانهاية في دلالة واضحة على قدرة الخالق عز وجل، كأنها تريد أن تترجم ذلك الحضور الروحي الهادئ الذي يحول الكلمات إلى موجات نورانية تحيط بالمكان.
* تكوين
يلحظ المشاهد أن الفنانة نرجس قد حرصت على تنفيذ أجزاء آية الكرسي من خلال تكوين حر ومتوازن، فلا يوجد مركز واحد للوحة، بل ثمة حركة بصرية تنتقل من الأسفل نحو الأعلى، حيث تتداخل الحروف فيما بينها وتتماوج، ما يخلق إيقاعاً بصرياً يشبه السحاب، ويعزز عند المشاهد إحساسه بالسمو الروحي، كانت الطبقات الشفافة من الكتابة ضرورية لتولد عمقاً ومسافة ممتدة ولا نهائية، وقد كان لاختلاف سماكات الحروف في الآية دوره في إكساب المشهد حركة ودرامية لافتة.
استخدمت نرجس نور الدين اللون الأزرق مع خلفية فاتحة مائلة إلى لون البيج، هذه الخلفية تضيف دفئاً شفيفاً يوازن برودة اللون الأزرق، بعض الكتل الخطية كتبت باللون الأسود، فاللون الأزرق يرمز للسكينة والطمأنينة، والروحانية، وقد كان لتدرج اللون وتلك الشفافية الظاهرة ما بين الأزرق والأبيض دوره في توضيح تلك الحمولة الدلالية التي يتضمنها نص آية الكرسي، ليصبح المشاهد على صلة قريبة ومتواشجة من نورانية النص، كما أن اللوحة في تكوينها العام، لا تقدم نص آية الكرسي كنص مقروء فقط، بل كتجربة بصرية وروحية، وهنا، تتحول الكلمات إلى طاقة هادئة، تغمر أو تحيط بالمشاهد وتدعوه للتأمل والخشوع.
* توازن
حرصت الفنانة نرجس نور الدين على تنفيذ لوحة متزنة بصرياً من خلال توزيع الكتل الخطية للآية، وقد كان هناك توزيع واضح للكتل الخطية الداكنة من الجانبين الأيمن والأيسر، لكي يتسنى للمشاهد أن ينقل بصره بهدوء وراحة في كافة جهات اللوحة، كما كان لكثافة الخطوط في الأسفل في مقابل تلك الفراغات الواسعة في أعلى اللوحة دوره في تحقيق التوازن، أو لنقل التوازن العمودي من أعلى إلى أسفل، وهذا التوزيع الهادئ للكتل الخطية من أعلى وأسفل ومن اليمين إلى اليسار حقق ما يمكن تسميته بـ (التوازن الإيقاعي) الذي يشعر المشاهد بالاستقرار والهدوء، فهو إذاً توازن بصري روحي أكثر منه هندسي، يعكس معاني ودلالات الآية في بعدها الديني والإيماني.
* حركية
حرصت الفنانة نرجس من خلال هذه اللوحة، على تحقيق إيقاعية حركية وبصرية للخط، هي إيقاعية متكررة ومنظمة، تمنح الخطوط المنحنية والسميكة والأقل سماكة إحساساً بالتدفق والانسجام، وهذه كلها من سمات الخط العربي، فثمة توازن وحركة إيقاعية تجذب عين المشاهد، فيشعر بتدفق النص وانسجامه عبر تلك المساحات والكتل. هنا، تبرع الفنانة في ترجمة أو تجسيد نبض اللوحة من خلال مهارتها في تنفيذ النص، وهذا يحقق التوازن البصري من خلال ذلك التوزيع المدروس للكتل الخطية، خاصة مع ملاحظة انحناءات وامتدادات بعض الحروف كالألفات واللامات، بالتوازن مع الكتل اللونية الموزعة بانسجام، وهنا، أيضاً، تتحرر عين المشاهد من الإطار الداخلي وتتحرك خارج حدود اللوحة، كأنها أمام صعود بصري قاعدته في الأسفل وقمته في العروج والسمو والانتقال من الأرضي إلى السماوي، كأن هذه الآية الكريمة تتردد معانيها عبر الزمن، فهي هنا لا تكتب مرة واحدة، بل تعكس فكرة الديمومة الإلهية المتصاعدة والمحلقة في ملكوت الروح والإيمان.