يبدع الخطاطون المتميزون في كافة الديار العربية والإسلامية، على تجويد فنون الخط العربي، وهو الفن الإسلامي الأصيل الذي ما زال حتى هذه اللحظة، جاذباً للمبدعين، لدينا لوحة آسرة للخطاط الباكستاني محمد أبوبكر صديق، استخدم فيها الآية القرآنية ﴿قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾ من خلال الخط الثلث الجلي، والآية من سورة النمل.
يتميز الثلث الجلي بكونه يكتب بقلم عريض، ليمنح الحروف سعة ووضوحاً عاليين، وهو مشتق من الثلث العادي، لكنه يختص بمتانة تركيب فائقة، ومرونة عالية في تشكيل الحروف، كما أن هذا الخط يتميز ببناء تراكيب هندسية متماسكة، حيث تركب الحروف والكلمات فوق بعضها البعض بشكل فني، وهو أيضاً يمنح الحروف سماكة وهيبة، ويسمح للخطاط بتعبئة الفراغات بالحركات والتشكيلات، وكل هذه الميزات وغيرها حرص الخطاط صديق على مراعاتها في هذه الآية التي جاءت بحلة بصرية من الجمال اللافت والذي لا تخطئه عين.
أول ما يمكن ملاحظته في تكوين هذه اللوحة هو تشابك حروفها، بقوة ومن خلال أسلوب أقرب إلى التجريدي، لتجسد المعنى الروحي لا الشكل التقليدي فقط، وقد حرص صديق على الاعتناء بفلسفة اللون في هذه اللوحة، حيث الأبيض الذي يرمز إلى النقاء والصفاء الإلهي.. أما بقية الألوان في داخل اللوحة فجاءت لتمزج ما بين الأزرق والأحمر والأسود، والذهبي، فالأزرق يرمز إلى الصفاء واليقين، فيما يرمز الأحمر إلى القوة والحياة والنعمة، بينما يشي الأسود بالهيبة والوقار، أما الذهبي فيرمز إلى العظمة والفضل الإلهي.
لقد كان الإطار الذهبي في هذه اللوحة موظفاً ليدل على المعنى المقدس والعميق في هذه الآية.
* تكوين
كتب الخطاط «ربي» بشكل عمودي، وهنا، إشارة لافتة إلى أن محور المعنى هو الرب لا الإنسان.. كما أن اللوحة في رسالتها العامة لا تكتفي بعرض الآية الكريمة بل تحولها إلى موقف إيماني بصري، فكل ما نملكه في هذه الدنيا إنما هو من فضل (الرب) أو الخالق عز وجل.
في هذه اللوحة بذل صديق جهداً واضحاً في إبراز الانحناءات الواسعة والمتوازنة كما يظهر في مجمل حروف الآية، ومن يدقق في اللوحة يلاحظ تميزاً في إبراز الجماليات البصرية شبه المتكاملة من خلال الخط واللون والتكوين والمعنى، واعتماد الثلث الجلي يمنح المنظر الفني العام فخامة وهيبة، كما حرص الخطاط على تجويد الحروف المدودة (كما هو حال الألف) على سبيل المثال، والمنحنية (كما هو في حرف الياء) بانسياب متقن، وهذا خلق إيقاعاً بصرياً، وقد كان للتكوين العمودي المتوازن دوره في إرشاد عين المشاهد من الأعلى إلى الأسفل بسلاسة.
وقد وزع صديق في لوحته هذه الكتل والفراغات بشكل مدروس، فلا ازدحام ولا فراغ بين الحروف.
* توازن
تجلت عناصر التوازن في هذه اللوحة، فيما يمكن أن نطلق عليه (التوازن وعلاقته بالوحدة والإيقاع) حيث يبرز عنصر التوازن والوحدة من خلال ذلك التوازن المركزي الذي جعل جميع عناصر اللوحة، وكأنها تدور حول محور واحد، كما أن تشابك الحروف واتصالها في اللوحة خلق وحدة عضوية، فلا حرف هنا، مستقل عن الآخر، فقد وحد اللون الأبيض المسيطر هنا، وحد التكوين، فبدت اللوحة كجسم واحد متماسك، والوحدة هنا، كما تجلت في اللوحة ليست شكلية فقط، بل هي فكرية وعميقة.
كما يمكن دراسة التوازن في علاقته بالإيقاع من خلال تكرار الانحناءات في بعض الحروف، وأيضاً المدات العمودية، وهو الذي خلق أو ولد إيقاعاً بصرياً منتظماً، فثمة امتدادات أفقية في بعض الحروف عملت كنقاط توقف، وقد كسرت الرتابة وضبطت الحركة في اللوحة، ما جعل عين المشاهد تنتقل بسلاسة دون قفز أو اضطراب، من هنا، فقد حققت هذه اللوحة الراحة البصرية، كما حققت نوعاً من الانسجام والإحساس بعمق المعنى الذي تدل عليه الآية الكريمة، من دون إجهاد أو إرباك أو تعب نفسي يصيب المشاهد.
* إضاءة
يُعد الخطاط الباكستاني محمد صديق من الفنانين المعروفين من خلال تقديمه لسلسلة من اللوحات الخطية الجميلة، ارتبط اسمه بفنون الخط العربي والزخرفة التقليدية، وهو يتميز في أعماله بالدقة الفنية واستخدام أساليب التذهيب التقليدية وزخرفة الأطر، وقد ارتبط اسمه بمدارس الخط التي تهتم بإعادة إحياء الفنون الإسلامية الكلاسيكية.