ربّما تكون مشاعر العنصريّة متبادَلة بين طرفين: مجتمعيْن أو جماعتين اجتماعيّتين داخل المجتمع الواحد، وهي، على الأرجح، تكون كذلك حتّى وإنْ لم يَبْدُ الأمر هكذا على سطح العلاقة بينهما، ولكنّ الضّحيّة فيها هو من يقع عليه فعْلُ العنصريّة. لا يعني هذا أنّها تَحصُل من جانبٍ واحد فقط (فلقد قلنا إنّها مشاعر متبادَلة)، بل إنّ الضّرر النّاجم منها ليس واحداً أو من الثِّقل عينِه في ميزان الخسائر، إذْ هو ضررٌ متفاوتُ الحجم تفاوُتاً قد يكون مَهُولاً: أَخَفُّ عند الغالب وأشَدُ وطأةً على المغلوب.
أمّا لماذا تعود الغلبة إلى جماعةٍ بعينها فلأنّ لها مؤسِّسات تجعل منها غلبةً، وقد يكون منها القوّةُ العدديّة لجماعةٍ اجتماعيّة (قوميّة أو دينيّة...)، أو رأسمالُ الانتماء الأصليّ الذي يتزايد معه شعورُ جماعةٍ بأنّ غيرها من الأغراب طارئٌ على بلادها، كما قد يكون منها انحياز السّلطة القائمة إلى الجماعة الأصل التي منها نشأت تلك السّلطة وكانت لها (الجماعة) القاعدةَ الاجتماعيّةَ والبيئةَ الحاضنة. ربّما يكون الانحياز هذا واضحاً، أو حتّى سافراً خاضعاً، كما في بلدانٍ عديدة لا يُحتاج فيها إلى بذل جَهْدٍ للوقوف عليه، كما قد يكون مُبَطَّناً غيرَ ظاهر بحيث يتعسَّر أن تُقْشَع غشاوتُه وإنْ كان ضحاياهُ يتحسّسون آثارَهُ عليهم.
أسوأُ أنواع العنصريّة وأشدُّها فتْكاً بالنّاس هو ذاك النّوع الذي تتحوّل فيه من سلوكٍ اجتماعيّ - مَرَضيٍّ حُكْماً - إلى سياسةٍ رسميّة يَتبنّاها نظامٌ سياسيّ حاكم، أو حزب/أحزاب، وتدخل في جملة عُدّة الاشتغال التّعبويّ السّياسيّ- الاجتماعيّ. تصير معضلة العنصريّة، في مثل هذه الحال، معضلتين متلازمتين: التّمأْسُس والتّجدُّد. بيان ذلك كالتّالي: ما إنْ تصير العنصريّةُ سياسةً عليا لدى نظامٍ سياسيّ أو مبدأَ تكوينِ حزبٍ مّا وعملِه، حتّى تصبح عملاً مؤسَّسيّاً: تقوم به مؤسَّسةٌ تُنْفِذُها إنفاذاً، وعلى نحوٍ يَضَّاعَفُ به حجمُها الذي كانت عليه في المجتمع قبل مأسستها سياسيّاً.
لدينا أمثلةٌ لا حَصْر لها، في عالمنا المعاصر، عن الكوارث الهائلة التي تنشأ من بناء السّياسة على الفكرة العنصريّة. على تعدّدها نكتفي بالإيماء السّريع إلى اثنين منها هما الأَظْهر والأَشْهر - بعد الحالتين الأمريكيّة والجنوب إفريقيّة - ممّا شهدت عليه أوروبا المعاصرة: صعود النّظام النّازيّ في ألمانيا وانتشار حركات اليمين المتطرّف العنصريّ في قسمٍ كبير من بلدان أوروبا في العقدين الأخيرين.
خرج الحزب النّازيّ إلى الوجود السّياسيّ من رحم هزيمة ألمانيا في الحرب العالميّة الأولى، وما تلا ذلك من إذلالٍ لها في أحكام مؤتمر الصّلح في باريس، ووأْدِ طموحها في الصّيرورة قوّةً كبرى منافسة لبريطانيا وفرنسا. لكنّه خرج، ابتداءً، من رحم ثقافةٍ عنصريّة اجتاحت ألمانيا منذ النّصف الثّانيّ من القرن التّاسع عشر، وتشبَّع بها قسمٌ كبير من نخبها السّياسيّة من التّيّار الوطنيّ، الذي هو عينُه الذي قادهُ حزب العمّال القوميّ الاشتراكيّ الألمانيّ (الحزب النّازيّ) - بعد تأسيسه في عام 1920 - إلى السّلطة في 1933. ولمّا كان الحزبُ (وزعيمُه هتلر) محمولاً على فكرة تَفوُّق العِرق الآريّ - الذي يجسِّد الجرمانُ صَفوتَه كما يعتقد النّازيّون - فقد أدّى تركيبُ مشروعه السّياسيّ عليها إلى ارتكاب فظاعات لا حدود لها ضدّ شعوب أوروبا وضدّ الأقليّات العرقيّة فيها.
بعد أقلّ من أربعة عقود على دحْر النّازيّة، تجدَّد انتشارُ أفكارها في المجتمعات الأوروبيّة واتّسع نطاق استخدام المفردات العنصريّة في الخطاب السّياسيّ والتّجييش الاجتماعيّ في الحياة العامّة. حصل ذلك نتيجة فعْل عواملَ ثلاثة متضافرة ومتفاوتةِ الأثر: اتّساع نطاق عمليّات الهجرة إلى بلدان أوروبا (من العالمين الإفريقيّ والعربيّ الإسلاميّ)، صعود حركات اليسار، سنوات السّبعينيّات والثّمانينيّات، ثمّ بداية نهاية عهد دولة الرّعاية الاجتماعيّة في أوروبا، سنوات الثّمانينيّات، وزحف نظام اللّيبراليّة المتوحشّة في صيغتها الرّيغانيّة- التّاتشريّة. هذه، للدّقّة، عوامل مباشرة هيّأت أسباب الفوران اليمينيّ العنصريّ، أمّا العوامل العميقة التي هيّأت التّربة الخصبة لذلك فتكمن في رسوخ ثقافةٍ عنصريّة جمعيّة تجاه الآخر غير الأوروبيّ سرعان ما وجدت لنفسها سبباً للصّيرورة مشروعاً سياسيّاً عنصريّاً بغيضاً.
ABDILKEZIZ29@ GMAIL.COM