الرواية من حيث هي «صانعة السرد» وصانعة الدهشة، لا تزال إلى الآن الفن الأقدر على مخاطبة الفرد والمجتمع، وذلك راجع لقدرتها العجيبة على التطور، ناهيك عن قوة تداخلها مع الفنون الأخرى من شعر وقصة ومسرح وفنون بصرية وأدائية مختلفة.
لماذا نعود إلى الرواية في كل مرة، حين نود أن نتحدث عن الأدب في صلته بالإبداع السردي على وجه الخصوص؟ الإجابة لا تحتاج إلى تفكير عميق، لاسيما أنها أي الرواية كما توصف من قبل كثير من النقاد، باتت اليوم بمثابة «ديوان العصر»، فهي الوحيدة القادرة على توظيف تقنيات فنية متنوعة لبناء عالمها، وهي التي تبرز قدرة كاتبها على استخدام الأسلوب الذي يراه مناسباً بصفته عليماً ومشاركاً ومراقباً لأحداث روايته، ومؤلفها أو كاتبها وحده من لديه قدرة على التلاعب بالزمن لاسيما مع قدرته على التشكيل اللغوي، والوصف، والحوار، والمناجاة الذاتية لتجسيد شخصيات روايته، التي تدمج بين الخيال والواقعية والفانتازيا، وتعبر عن مشاعر الشخصيات، وهي القادرة على رسم المشاهد والأماكن، وتتمتع بأساليب درامية وغنائية وسينمائية أقرب إلى المشهدية البصرية.
وبهذه المناسبة من الضروري أن نتذكر ما يمكن تسميته ب (الروايات المؤسسة) حيث نعود إلى بدايات القرن السابع عشر، ففي عام 1605 كان العالم على موعد مع الرواية العظيمة «دون كيشوت» لميغيل دي ثيربانتس، كأول رواية حديثة وتأسيسية في الأدب الغربي.
ومن الضروري هنا، أن نتذكر البريطاني هنري فيلدينغ (1707 – 1754) الذي نشر سلسلة من أعظم الروايات الإنجليزية بينها «تاريخ مغامرات أندروز وصديقه أبراهام أدامز» وكانت موهبة فيلدينغ في عرض الشخصيات وتصوير بيئة الطبقات الدنيا قد جعلت روايته تلك أكثر من مجرد محاكاة ساخرة لمجتمعه، وأتبعها فيلدينغ بسلسلة أخرى من الروايات الخالدة في الأدب الإنجليزي.
ويميل النقاد إلى ذكر عدد من الروايات العربية الفارقة بوصفها من الأعمال المؤسسة على صعيد الرواية مكتملة الأركان من الناحية الفنية والموضوعية مثل: «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، إلى جانب «الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، باعتبارها رواية تأسيسية في أدب المهجر، مروراً ب«ثلاثية غرناطة» لرضوى عاشور، التأسيسية في الجانب التاريخي، وصولاً إلى روايات الخيال العلمي، وروايات الأدب الاجتماعي.
وبعد، فإن الرواية بهذا المعنى ليست مجرد حكاية، بل هي كما يحبذ بعض النقاد أن يطلق عليها «بذلة» يصممها الروائي بلمسات فنية فائقة، وهي من دون شك روايات قادرة على صناعة الدهشة، وتتميز بقدرتها على البقاء، وتناولها للقضايا الإنسانية الخالدة، وقد شكلت حجر الزاوية في تاريخ الأدب.

[email protected]