هل رأيتَ الإمبراطور في حديثه عن «حالة الاتحاد»؟ عندما يصدح بأن الإمبراطورية تحيا عصرها الذهبي، فمعنى ذلك أنها: «سال النضارُ بها وقام الماءُ». المهم عنده هو ما تقوله القوة لا بعبعات الرأي العائم وجعجعات المحللين. هو الذي إذا زأر «ورَد الفراتَ زئيرهُ والنيلا»، فزئيره يرسم خريطةً جديدةً ويمحو ما قبلها. لم يكن في إمكان العرب القدامى فهم الأبعاد النوستراداموسيّة في شعر المتنبي. أولئك نشؤوا على تربية مستلهمة من «أعلى الممالك ما يُبنى على الأسلِ.. والموت عند محبّيهنّ كالقُبلِ». حين قال الشاعر البيت، كان يسمع صليل قول عنترة: «فوددت تقبيل السيوف لأنها.. لمعت كبارق ثغركِ المتبسمِ».
العصر الذهبي يعيدك إلى عهد الرشيد والمأمون. تستعيد مشهد هارون في شرفته يخاطب السحابة: «أمطري حيث شئت فخراجك لي». الخليفة، بمقولته الخالدة، أسّس مدرسةً شعريةً جيوسياسيّةً بمخاطبة الغيوم، مع استشراف اقتصادي: ستمطر السحابة وتُحيا الأرض بعد مواتها، وتجود بالخيرات، ويكون الحصاد، وتباع المحاصيل، وتنتقل الأموال إلى الخزينة العامة في الدولة الهارونية. نسبية الزمن تتمثل في أن الألف ومئتي عام، التي تفصلنا عن الرشيد (توفي 806 ميلادية)، صارت بين العالم العربي والعصر الذهبي الذي يدعيه الإمبراطور. مقولة الرشيد أعظم من أن يحللها الأدباء بجمالية سطحية، تحليلها يكون بالجغرافيا السياسية، وبعنفوان القوة الصلبة. كان الرشيد قادراً على إرسال الجيوش الجرارة للبرهنة على صدقية مقولته.
أمّا العصر الذهبي المزعوم، فمسألة فيها نظر. إلا إذا كانت قمة إيفريست المديونية فردوساً اقتصادياً، وانتهاك القانون الدولي قدوةً سياسيةً صالحةً، وتسيّب موظفي الدولة وعدم انضباطهم حسن إدارة، حتى إن سفيراً يرحّب باستيلاء طرف على كل دول الشرق الأوسط. ربّ الدار نفسه يريد كندا وغرينلاند وغزّة. أمّا مطالبة كندا بدفع قرابة ثلاثة تريليونات دولار، فاتورة ثلاثين عاماً من المعاملات البينية، بلا دليل، فبعضها أقوى نكتة: البضائع التي اشترتها واشنطن من كندا، نقلتها بقطاراتها، فعلى كندا دفع استهلاك سكة الحديد الأمريكية. يقول البلغار: كان على البلغاري، في الحقبة العثمانية، إذا رأى تركياً أن يستضيفه في بيته ويطعمه، وأن يدفع له ثمن استهلاك أسنانه في الأكل!!
لزوم ما يلزم: النتيجة المعدنية: هل يتكرم القارئ باختيار المعدن المناسب للأوضاع، غير الذهب؟
[email protected]
نسبيّة الزمن في التاريخ المقارن
26 فبراير 2026 00:35 صباحًا
|
آخر تحديث:
26 فبراير 00:55 2026
شارك