عادي
ذكريات رمضانية

جمال الشقصي: أصوات عمالقة التلاوة توقظ القلوب

00:37 صباحا
قراءة دقيقتين


«لم يكن رمضان في الإمارات مجرّد شهرٍ عابرٍ في روزنامة السنين، بل كان حالةً وجدانية تُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والزّمن» بهذه الكلمات يفتح الشاعر الإماراتي جمال الشقصي، أبواب ذاكرته التي ترتبط بشهر الصيام، وخاصة في فترة تسعينات القرن الماضي، التي يصفها قائلاً: «شعرت فيها بدفقات دفءٍ تضفي روحانية أكبر على نهار وليالي شهر رمضان الكريم».
ويصور الشقصي المدن آنذاك بأنها كانت تهدأ قبيل المغرب، وكأنها تدخل في تأملٍ صامتٍ، فيما تتصاعد روائح «الهريس» و«الثريد/ الفريد» و«اللقيمات» من البيوت، لتختلط بأوقات انتظار الأذان، حتى يأتي صوت المدفع فاصلاً بين تعب النهار وسكينة اللقاء، في تلك اللحظات كانت المجالس تتحوّل إلى فضاءاتٍ لتأملٍ صامتٍ يتقاطر منه ندى الأدعية، ويتهيأ فيها الكبير والصغير لتقاسم تمرة الإفطار كما يتقاسمون الحكايات والطمأنينة.
ويصف الشاشة بأنها «مرآةً للمجتمع تضحك معه حين يضحك، وتفكّر معه حين يتأمل»، مؤكداً: «حين يلتفّ أفراد الأسرة حول شاشة واحدة، كان التلفزيون أشبه بنافذةٍ جماعيةٍ تطلّ على العالم وتعيد تشكيله بروح الشهر، عبر قنوات مثل تلفزيون دبي وتلفزيون أبوظبي، حيث تابع الناس أعمالاً طبعت ذاكرتهم، من روح الدعابة الاجتماعية في «حاير طاير» و«مرمر زماني»، إلى براءة الطفولة في «افتح يا سمسم» و«بكّار»، وصولاً لبرنامج «فوازير رمضان» الذي شعل التنافس بين ذهنية الشباب وصفاء العقول.
ويضيف: «أما الفجر، فكان يولد على إيقاع التلاوة، أصواتٌ خاشعة تعبر الأثير لتوقظ القلوب قبل الأجساد، يتقدّمها عمالقة القراءة مثل: عبدالباسط عبدالصمد ومحمد صديق المنشاوي ومحمود خليل الحصري وسعد الغامدي، كانت تلاواتهم تشبه نهراً خفياً يغسل ضجيج العالم، ويمنح الليل معنىً أعمق من السهر، ويمنح الصمت لغةً من نور».
ويشير جمال الشقصي إلى أن رمضان في الإمارات كان يبدو في تلك الحقبة بمظهر بساطةٍ تتخفّى في التفاصيل الصغيرة، وجماعة تتجلّى في طبقٍ مشترك، وصوت تلاوة القرآنٍ يربط الأرض بالسماء. كان زمناً أقل ازدحاماً بالأشياء، وأكثر امتلاءً بالمعاني، زمناً إذا استُعيد اليوم عاد لا كذكرى فحسب، إنما كفكرةٍ عن كيف يمكن للشهر الفضيل أن يكون مدرسةً للروح، ومرآةً صافيةً للإنسان وهو يتصالح مع ذاته ومع العالم.
ويؤكِّد الشاعر بأن قلبه كان يجد إيقاعه بين ضربات الكرة الطائرة ووقع القصيدة، قائلاً «فبعد صلاة التراويح، كنّا نجتمع في ساحات الحيّ تحت أضواءٍ صفراء خافتة، تتعانق فيها الظلال مع ضحكات الشباب، وتعلو صيحات الحماس كلما ارتفعت الكرة في الهواء كأنها قمرٌ صغير نتقاذفه بيننا، لم تكن المباراة مجرّد لعبة، لكنها كانت مساحةً نُفرغ فيها طاقة النهار، ونصوغ من التنافس صداقةً أكثر صفاءً، ومن التحدي ودّاً لا يفسده الخلاف». ويختتم حديثه عن الذكريات الرمضانية، قائلاً: «حين يهدأ الجسد، كانت الروح تمضي إلى خيام رمضان، حيث ألتقي بزملائي الشعراء، هناك بين فناجين القهوة ورائحة البخور، كانت الكلمات تتوهّج كما لو أنها امتدادٌ لذلك القمر الذي لاحقناه في الملعب، نتبادل القصائد كما نتبادل التمر عند الإفطار، كل بيتٍ شعريٍّ يحمل حنيناً وكل قافيةٍ تفتح نافذةً على زمنٍ أكثر بساطةً وصدقاً، كانت ليالي رمضان آنذاك تجمع بين رياضة الجسد ورياضة اللغة».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"