من ترى يعلم متى حدث ذلك؟ القضية قُيّدت ضد مجهول. لكن الأمر، حتى ولو كان محض مصادفة، فإنه كأنه مخطط له بإحكام، والزمان بألوان مكره، مخرج مسرحيات وأفلام. في نهارات رمضان، تستعرض الفضائيات مهارات المطابخ، وفي المساءات مهرجان المسلسلات، التي أكثر من تسعة أعشارها لا تربطها بالروح صلة.
الموقف ليس اعتراضاً على إثراء السهرات بالفنون، وما فيها من إمتاع ومؤانسة، ولا معارضةً للاحتفاء بالمواهب، بل القضية، هي التراجع المهول في المعروض. ما يدعو إلى البحث والدراسة، هو أن شركات الإنتاج الفني كانت، بما لا يقاس، أكثر نباهةً وذكاءً واجتهاداً في سبيل الأفضل، طموحاً إلى الإبداع. ترفيهيّاً، تأمل بإنصاف فوازير رمضان أيام زمان. انظر الصيت والصدى اللذين حققهما شريف العلمي، في «سين جيم»، وكيف جمع كل الأسئلة والأجوبة، في موسوعة مطبوعة، أضيفت باستحقاق إلى المكتبة العربية. كان البرنامج العربي الوحيد الذي ناطح أشهر برنامج فرنسي في سباق المعلومات، واسمه: «كيت أُو دوبل» (غادر أو ضاعف).
ما يحزّ في النفس سياسياً، هو أن الشعور بأبعاد العالم العربي، وترابط خرائط بلدانه، تقلص حتى صار أضيق من سمّ الخياط، وانحسر حتى انحصر في أن المسلسل تشاهده الشعوب العربية، مشرقاً ومغرباً. أمّا في الشدائد، وفي الهبّات التنموية، في ميادين العمل المشترك، فكل طائر معلّق من عرقوبه. وبئس المثل الذي يصوّر أمّةً على هيئة طيور ذبيحة. لم يقل الساذج: كل شعب واقف وقفة رجل واحد، ذائد عن وطنه وأمّته.
المنتجون ظرفاء، فلهم الحق في أجر واحد، فقد أرادوا أن يكحّلوا سهرات رمضان، بإضفاء المتعة والأنس على المشاهدين، فلم يجدوا غير الشطح بها بعيداً، بعيداً حيث ينسى العرب المسلمون أنهم في الشهر الكريم. حتى لا نظلم شركات الإنتاج، يجب القول الفصل، إن الذنب لا يقع على عاتق المنتجين، فصانع البضاعة حسابه مختلف، أمّا من يقتنيها ويروّج لها وينشرها، أي الفضائيات، فأولئك هم المسؤولون ضميرياً وإعلامياً. لم ينصّ دستور أو قانون على أن عدم بث الشاشات مسلسلات في رمضان جريمة يُعاقَب عليها مرتكبها، حتى ولو كانت الأعمال هابطة.
لزوم ما يلزم: النتيجة التصحيحية: قبل نهاية الشهر، ترسل مذكرة مهذّبة إلى الشركات المعنية: رمضان المقبل لن نقبل إلا ما يرضي الضمير والإبداع.