الشعوب الحية هي التي تمتلك إرادة البقاء، تتعامل مع ذاكرتها بطريقة مختلفة تماماً. هي لا تدفن الجرح، بل تبقيه مفتوحاً أمام أعين الأجيال الجديدة، ليس لتبكي عليه طبعاً، بل ليكون جرس إنذار دائم يذكّرها بأن الضعف في هذا العالم القاسي هو خطيئة لا تغتفر، وأن ثمن الضعف الاجتماعي هو الإذلال.
في كتابه الملهم «علمتني الحياة»، وفي فصل «قرن الإذلال الوطني»، يأخذنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في رحلة عبر التاريخ الصيني، ليتوقف عند حقبة سوداء استمرت لأكثر من مئة عام. بدأت هذه الحقبة بما يسمى «حرب الأفيون» حينما قررت إمبراطورية عظمى أن تتاجر بصحة شعب كامل وتغرقه في الإدمان من أجل توازن تجاري ومكاسب مادية. لم يكن انهيار الصين حينها مجرد هزيمة عسكرية، بل كان انهياراً أخلاقياً واجتماعياً سهّل على الطامعين نهب ثرواتها وانتهاك سيادتها.
الصين اليوم قوة عظمى يحترمها العالم، تقوم بتدريس أبنائها تفاصيل ذلك الفشل التاريخي الذي تعرض له أجدادهم. لماذا؟ لأنهم أدركوا معادلة وجودية صارمة وقاسية، وهي أن من ينسى أسباب ضعفه، محكوم عليه بتكرار أخطائه.
يصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هذه الاستراتيجية الفكرية قائلاً: «قرن من المهانة والمذلة تدرّسه الصين كمادة إلزامية.. قرن من الألم يتم تدريسه للطلاب حتى يعرفوا أن ضعف الأمة مهانة، وهشاشتها الداخلية طريق لتدخل الأجنبي فيها وإذلال أهلها».
الدرس المستفاد هنا يتجاوز التاريخ الصيني، إنه يلامس واقعنا العربي. التاريخ ليس مجرد قصص تحكى قبل النوم، بل هو مدرسة متكاملة. الدول التي تترك نفسها عرضة للانقسامات الداخلية، وتتراخى في بناء قوتها الذاتية واقتصادها وعلمها، هي في الحقيقة تقدم دعوة مفتوحة للطامعين لكي يتدخلوا في شؤونها. العالم لا يحترم الضعفاء، ولا يتعاطف مع من يكتفي بلعب دور الضحية. الاحترام في قاموس العلاقات الدولية ينتزع انتزاعاً بالقوة والعمل والإنجاز.
ونحن اليوم في عالمنا العربي، نمتلك تاريخاً عريقاً، لكننا مررنا أيضاً بفترات من التراجع والانكسار. السؤال الذي يطرحه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في نهاية هذا الفصل، موجه لكل عقل حريص على مستقبله: «والسؤال الذي يدور في الذهن، ماذا يمكن للعرب أن يتعلموا من هذه التجربة الصينية؟ وكيف يمكن أن نستثمر ذاكرتنا التاريخية للعودة من جديد واستئناف حضارتنا؟»
إنه سؤال جدير بالدراسين والمهتمين التصدي له، وتحديداً في الدول التي تعتبر الأكثر تعثراً وتدهوراً اقتصادياً وتراجعاً تنموياً، والتوقف مطولاً أمام هذا السؤال. أما في الإمارات التي تعيش في المستقبل، فإن مهمتنا تعليم أطفالنا أن الحضارة والتطور والتقدم ليست شعارات، بل هي عمل دؤوب، واقتصاد قوي، وتعليم متطور، وتلاحم داخلي يصد أي ريح قادمة من الخارج، وأن نستمر بهذه الروح، وبهذه القوة.
سؤال محمد بن راشد للعرب
10 مارس 2026 00:04 صباحًا
|
آخر تحديث:
10 مارس 2026 00:04 صباحًا
شارك