حسن إبراهيم النعيمي

يشهد العالم اليوم مرحلة انتقالية عميقة تتراجع فيها ملامح النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة، بينما تتبلور تدريجياً ملامح نظام عالمي أكثر تعقيداً وتعددية في مراكز القوة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية المضطربة تتحول مناطق التماس الجيوسياسي إلى بؤر توتر محتملة، ويبدو الشرق الأوسط اليوم أحد أبرز هذه المسارح الحساسة.

وفي قلب هذه المعادلة تقف إيران بوصفها دولة محورية ذات حضور تاريخي وثقافي وسياسي عميق في المنطقة. غير أن كثيراً من النقاشات السياسية في العالم العربي حول إيران تنطلق غالباً من فرضيات آنية، مثل توقع انهيار النظام أو تغيّره سريعاً بفعل الضغوط الاقتصادية أو الاحتجاجات الداخلية.

غير أن السياسة الرشيدة لا تُبنى على التوقعات بقدر ما تقوم على فهم طبيعة الطرف الآخر وطريقة تفكيره. ومن هنا تبرز أهمية تحليل الشخصية السياسية الإيرانية باعتبارها مدخلاً لفهم سلوك الدولة الإيرانية واستشراف اتجاهات سياساتها.

* أولاً - إيران دولة حضارية:

لفهم إيران ينبغي النظر إليها أولاً بوصفها دولة حضارية عريقة قبل أن تكون مجرد نظام سياسي نشأ بعد الثورة الإسلامية عام 1979. فالتاريخ الإيراني يمتد لآلاف السنين، وقد تعاقبت على هذه الأرض إمبراطوريات وحضارات تركت بصمات عميقة في الوعي الجمعي للنخبة الإيرانية.

هذا الإرث الحضاري خلق شعوراً قوياً بالاستمرارية التاريخية والخصوصية الثقافية، وهو شعور ينعكس بوضوح في الخطاب السياسي الإيراني وفي تصور طهران لدورها في الإقليم.

ومع قيام الجمهورية الإسلامية اندمج هذا البعد الحضاري مع بعد عقائدي ديني، فنتج عن ذلك نموذج سياسي يمزج بين القومية الفارسية والعقيدة الدينية، وهو مزيج يمنح السياسة الإيرانية طابعاً خاصاً يجمع بين التعبئة الأيديولوجية والبراغماتية السياسية.

* ثانياً - الصبر الاستراتيجي:

من أبرز سمات التفكير السياسي الإيراني ما يمكن تسميته الصبر الاستراتيجي. فإيران تميل إلى إدارة الصراعات على مدى زمني طويل، مراهنة على تغير الظروف الدولية أو إنهاك الخصوم تدريجياً.

وقد ظهر هذا النمط بوضوح في عدة محطات تاريخية، من الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، إلى قدرتها على التكيف مع سنوات طويلة من العقوبات الاقتصادية. ولهذا فإن إيران غالباً ما تفضل إدارة الصراع واستنزاف الخصوم بدلاً من المواجهات المباشرة السريعة.

* ثالثاً - الحساسية تجاه الإذلال السياسي:

تحمل الذاكرة السياسية الإيرانية حساسية واضحة تجاه ما يُنظر إليه على أنه إهانة أو إذلال خارجي. فالتجارب التاريخية المرتبطة بالتدخلات الأجنبية والضغوط الدولية تركت أثراً عميقاً في الوعي السياسي الإيراني. ولهذا فإن الضغوط العلنية أو الخطابات التصعيدية قد تدفع إيران أحياناً إلى مزيد من التشدد، ليس بدافع القوة بقدر ما هو بدافع الحفاظ على صورة الدولة وهيبتها أمام الداخل.

* رابعاً - تفضيل الحروب غير المباشرة:

تعتمد الاستراتيجية الأمنية الإيرانية منذ عقود على مبدأ الدفاع بعيداً عن الحدود. فبدلاً من المواجهة المباشرة، تعمل إيران على بناء شبكات نفوذ إقليمية تسمح لها بإدارة الصراعات بوسائل غير مباشرة، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على المناورة ويقلل من كلفة المواجهة المباشرة.

* خامساً - إيران بين منطق الدولة ومنطق الثورة:

من الخصائص اللافتة في بنية النظام الإيراني وجود مسارين رئيسيين يتحركان أحياناً بوتيرتين مختلفتين: المسار السياسي الذي تقوده الدبلوماسية الإيرانية، والمسار الأمني-العسكري الذي يقوده الحرس الثوري.

فعلى المستوى الدبلوماسي تسعى إيران إلى تخفيف الضغوط الدولية وتقديم نفسها كدولة طبيعية في النظام الدولي. أما الحرس الثوري فيتعامل مع المنطقة من منظور أمني استراتيجي يركز على بناء أدوات القوة والنفوذ الإقليمي.

وقد يبدو أحياناً أن هناك فجوة بين الخطاب الدبلوماسي والتحركات الميدانية، غير أن هذا التباين يعكس في الواقع طبيعة النظام الإيراني المركبة التي تجمع بين مؤسسات الدولة ومؤسسات الثورة.

* سادساً - الحرس الثوري مركز قوة مؤثر:

لا يمكن فهم السياسة الإيرانية دون إدراك الدور المركزي الذي يلعبه الحرس الثوري داخل النظام. فهو ليس مجرد مؤسسة عسكرية تقليدية، بل كيان سياسي وأمني واقتصادي واسع النفوذ نشأ لحماية الثورة ومكتسباتها.

وقد توسع دوره خلال العقود الماضية ليصبح أحد أهم مراكز القوة في إيران، حيث يشارك في إدارة ملفات الأمن القومي والسياسة الإقليمية، إضافة إلى حضوره في قطاعات اقتصادية وصناعية استراتيجية.

وبسبب هذا الدور المتشعب، يتعامل الحرس الثوري مع التحديات الإقليمية من منظور أمني-استراتيجي طويل المدى قد يختلف أحياناً في إيقاعه وأولوياته عن المقاربة الدبلوماسية التي تتعامل مع الضغوط السياسية الدولية.

* سابعاً - لماذا لا يكفي الرهان على تغيير النظام؟

رغم وجود أزمات اقتصادية واحتجاجات اجتماعية داخل إيران، فإن بنية النظام لا تزال تتمتع بدرجة معتبرة من التماسك. فالنخب السياسية والدينية والعسكرية المؤثرة تشترك في قدر كبير من الموروث الحضاري القومي والعقائدي الذي يشكل أساس الشخصية السياسية الإيرانية. ولهذا فإن الرهان على تغير سريع في بنية النظام قد لا يكون أساساً عملياً لبناء السياسات الإقليمية.

* ثامناً - كيف ينبغي لدول الخليج أن تتعامل مع إيران؟

إذا كان هذا هو نمط التفكير الإيراني، فإن التعامل معه يتطلب مقاربة تقوم على الفهم الواقعي لا على ردود الفعل.

1- بناء قدرات ردع دفاعية قوية تحمي أمن المنطقة. 2- إبقاء قنوات الاتصال والحوار مفتوحة لإدارة الأزمات. 3- تعزيز الاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية باعتبارهما أهم عناصر القوة.

إن فهم إيران لا يعني الاتفاق معها، لكنه شرط أساسي للتعامل معها بواقعية. فالدول لا تُدار بالتمنيات، بل بقراءة عميقة لتاريخها وثقافتها وطريقة تفكيرها. ومن هنا يمكن القول إن السياسة الخليجية الحكيمة تجاه إيران ينبغي أن تقوم على ثلاثية استراتيجية واضحة: الفهم، والردع، والتوازن.

فالفهم العميق لطبيعة التفكير الإيراني يجنّب المنطقة سوء التقدير، والردع المتوازن يحمي أمن الدول واستقرارها، أما التوازن فيفتح المجال لإدارة الخلافات دون الانزلاق إلى صراعات مفتوحة قد تكون كلفتها باهظة على الجميع.