د.صلاح الغول
عجيب أمر الإمارات وشعبها. والأعجب منه شأن قادتها. والأكثر عجباً هو حال قائدها الأعلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، في التعاطي مع الهجمات الإيرانية العدوانية والعشوائية على بعض المواقع العسكرية والمدنية والبنية التحتية في عددٍ من مناطق الدولة. ومصدر العجب كله هو أنّ قافلة الإمارات تسير، برغم الحرب التي طالتها من دون داع منطقي أو سبب واقعي، وبرغم ظلال الكآبة الناتجة عن الدخان المتصاعد وحطام الصواريخ والمسيرات الإيرانية بنسبة نجاح فاقت ال94 في المئة، وحالة الاضطراب الهائل الذي يموج به الإقليم كله.
وكانت جولة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد في «دبي مول»، في 2 مارس/ آذار، وحرصه خلال الجولة على تحية المتسوّقين والتفاعل معهم، وإيصال رسالته المعهودة والمحمودة «لا تشيلون هم»... كاشفة للعلاقة المباشرة و«الأبوية» بين الحاكم والمحكوم، ومستوى الثقة في حالة الأمن والأمان بالبلاد. ولكن زيارة سموه للمصابين في الأحداث، في 5 مارس/ آذار، وحرصه على الاطمئنان بنفسه على أحوالهم، أظهرت بجلاء أن دولة الإمارات «قدوة»، كما عبر سموه خلال الزيارة، في التعامل مع الأزمات، لأن قيادتها «قدوة» تتكشف في أوقات الأزمات خاصةً. ثم كانت قمة استراحة المرموم بدبي، التي جمعت سموه بصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في 6 مارس/ آذار، والتي عكفت على بحث شؤون الوطن، والتأكيد على أن دولة الإمارات ستظل واحة أمن وأمان واستقرار، وأنّ لديها القدرة على مواجهة مختلف التحديات وتجاوزها من خلال تماسك مجتمعها، وتجدد عزم شعبها، وتكاتفه وكفاءة مؤسساتها، لا سيما المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، في ظل الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تستهدف الدولة. وقد وصلت النخوة الإماراتية إلى مداها بدعوة سمو الشيخ عبدالله بن زايد، نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية، في اتصالٍ هاتفي مع نظيره الروسي سيرجي لافروف، في 8 مارس/ آذار الجاري، إلى وقف جميع الهجمات على كل من إيران ودول الخليج، والحاجة إلى استئناف الجهود الدبلوماسية لضمان أمن مستدام في المنطقة. كما دعا جمال جمعة المشرخ، سفير الإمارات لدى الأمم المتحدة، في 10 مارس/ آذار، إلى خفض تصعيد الحرب الأمريكية -الإسرائيلية مع إيران والعودة إلى طاولة المفاوضات.
وقد وجد التفاعل الإماراتي الكفء والفعّال مع أزمة الصواريخ والمسيرات الإيرانية صداه في الدوائر الإعلامية العالمية. فها هي صحيفة «ديلي ميل» البريطانية تدعو إلى استلهام الدروس من تجربة «قادة دبي وأبوظبي في مواجهة الهجمات الإيرانية»، والاستفادة من النموذج الإماراتي في القيادة الحاسمة والرؤية الاقتصادية الطويلة المدى.
وقديماً قالوا إن أكثر ما يغيظ خصومك أن تستمر وتيرة حياتك، وتسير قافلتك، كما خططت لها، لا كما يحاول الخصوم توجيهها، وهي الحكمة التي تترجمها الإمارات واقعاً يمشي على الأرض في هذه الظروف العسيرة. وفي هذا الإطار، افتتحت هيئة الطرق والمواصلات في دبي، في 6 مارس، جسرين رئيسيين ضمن مشروع تطوير محور الشيخ راشد، وأعلن بنك «كانتور» العالمي للاستثمار في 3 مارس بدء تغطية الشركات الست المدرجة التابعة ل«أدنوك»، مؤكداً أن أساسيات قطاع الطاقة في دولة الإمارات تتمتع بصلابة طويلة الأمد، مع منح جميع الشركات تصنيف «وزن ثقيل» الإيجابي.
وعلى المستوى الخارجي، واصلت الإمارات نسج شراكاتها الاقتصادية الشاملة، ودبلوماسيتها الإنسانية، ووساطتها في حرب أوكرانيا، وجهودها في مكافحة الإرهاب. فقد أعلنت الإمارات واليابان عن التوصل إلى البنود النهائية لاتفاقية شراكة اقتصادية شاملة، خلال زيارة الدكتور سلطان بن أحمد الجابر لطوكيو، وبمشاركة الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير التجارة الخارجية، في خطوة تعكس طموحاً مشتركاً للارتقاء بالعلاقات التجارية والاستثمارية إلى مستويات أكثر تقدماً. وتعد هذه الاتفاقية هي الأولى من نوعها لليابان مع دولة عربية. وتهدف الاتفاقية إلى مواصلة الارتقاء بالعلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين إلى آفاق جديدة من النمو الاقتصادي المتبادل.
وتتواصل المساعدات الإنسانية الإماراتية لأهل غزة، في إطار عملية «الفارس الشهم 3» لإغاثة أهل غزة في الشهر الفضيل. وكان من العجيب، في ظل هذه الظروف، أن تنجح الوساطة الإماراتية في جولتين أخريين من جولات الوساطة بين روسيا وأوكرانيا لتبادل الأسرى، وفي أقل من 24 ساعة. فقد نجحت الوساطة الإماراتية، في 5 و6 مارس/ آذار، في إطلاق 1000 أسير من الجانبين، وهو أكبر عدد يتم إطلاقه في عملية واحدة بوساطة إماراتية. وهكذا، يرتفع العدد الإجمالي للأسرى الذين تمّ تبادلهم بين البلدين منذ مطلع عام 2024، عبر 20 وساطة إماراتية، إلى 5906، وهو رقم كبير يجسد إنجازاً دبلوماسياً وإنسانياً غير مسبوق في تلك الأزمة.
وأخيراً، يجب أن نعترف بأن الخطوة الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كمنظمة إرهابية تأتي تتويجاً لجهودٍ دبلوماسية إماراتية حثيثة ودؤوبة في الولايات المتحدة والعديد من المنظمات والمنتديات الدولية كشفت دور الجماعة في تأجيج الصراع الأهلي في السودان، وسد السبل أمام أي تسوية سلمية له.