هل يستطيع أحد أن يُنكر أنّ العلاقات البينيّة بين عدد من الدول العربيّة، قد تصدّعت عمادها وبُناها، حتى ظنت أن لن تقوم لها قائمة؟ حسابات الناس ليست نتيجة سوء تقدير وخطأ حساب، فالشائع الرائج في وقائع التاريخ، هو أن القرارات العليا لا يعقبها فحص ومراجعة، من منطلق أن الآلة الحاسبة الصغيرة، لا يحق لها تدقيق حسابات الحواسيب العملاقة. كذلك تجري الأمور في الأوامر العسكرية، حين تشمّر الهيجاء عن ساق: «نفّذ ثم ناقش».
منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية، كانت الجسور بين البلدان العربية، بتعبير طرفة بن العبد، في رائعة وصف الناقة: «كقنطرة الروميّ أقسم ربّها.. لتُكتنفنْ حتى تُشاد بقرمدِ». في العقود الأخيرة، وللدقة منذ العقد السابع الماضي، تلقّت المنظومة ضربةً عنيفةً تشبه افتتاح مباراة البلياردو. عندها أنكر كلٌّ خلّهُ.. فتلاقينا لقاء الفرقاء.. ومضى كلٌّ إلى غايتهِ.. لا تقل شئنا فإن الغرب شاء.
لا يمكن إنكار القدرات الهوليووديّة الفائقة لدى الغرب، في صناعة أفلام التنويم المغناطيسي، بسحر بروباغندا فرية القيم الحضارية، ونشر الحرية والديمقراطية، وفوقيّة العلوم من الذرّة إلى المجرّة، ودفء الاحتماء بالأساطيل، ذات المطارات الجوّالة عبر المحيطات. وكيف لا، والغرب ثلاث إمبراطوريات لم تغرب عنها الشمس، فرنسا ثم بريطانيا وأخيراً إمبراطورية أنظمة اختطاف الرؤساء مع زوجاتهم من غرف النوم. لمسة رومانسية هي قمة احترام كرامة الدول. الأخلاق السامية حالت دون أخذ الزوجين مباشرة إلى الجزيرة إيّاها.
نعود إلى الجسور البينيّة، جانب منها ماديّ، وقد أصيبت مجموعة منه بأضرار جسيمة. لكن، لا ييأس مؤمن بالوطن العربي الكبير، من روح الله، ومن أن الجسور المعنوية لا تستطيع هدمها القوى الطامعة في النهب والإخضاع لتنفيذ مخططات نفخ الضفدعة لتصير سمكة قرش تبتلع الدول. المؤسف هو تأخّر الإحساس بالزمن. وإلاّ فإن تداعيات أحجار الدومينو لم تكن لتخفي ما وراءها من سوء النوايا. الجسور المعنوية لا تقدر قوة في العالم على هدمها. الأغلبية الغالبة للعرب دين واحد، ولغة واحدة، وتاريخ مشترك، وثقافة جامعة. هذه الجسور أشدّ رسوخاً من الجبال الراسيات. فليبحث الطامعون عن ملاعب أخرى.
لزوم ما يلزم: النتيجة العجبيّة: حسن النوايا العربية، أشدّ إضراراً بالعرب من سوء نوايا المخططات الأجنبيّة.
[email protected]