«أخطر العمى الأيديولوجي ذلك الذي يسكن عقل المثقف العربي في صمت، يرفع راية الحرية بيد، ويُبرر القمع باليد الأخرى».
في منصات التواصل تتكرر ظاهرة لافتة: أقلام تعرّف نفسها بالتحرر والانفتاح، تجد في السردية الإيرانية ما يستحق الدفاع الحار. السؤال الذي نادراً ما يُطرح: كيف يستقيم هذا؟
الإجابة لا تبدأ من السياسة. تبدأ مما أسمّيه «سوسيولوجيا الضغينة»، الحالة النفسية التي تتحول فيها الغيرة من نجاح الآخر إلى منظومة أحكام تُدينه. لعقود رسخت صورة مريحة عن الخليج: ثروة نفطية ومجتمعات محافظة لا أكثر، ثم جاء ما لم يكن في الحسبان. مدن تُبنى ومؤسسات تتأسس وحضور دولي لم يكن أحد يتخيله. لكن تلك النخب بقيت تتعامل مع خليج الأمس. والإنسان حين تعجز مخيلته عن استيعاب نجاح ما، لا يُعيد النظر في مخيلته بل يشكّك في ذلك النجاح.
المسألة لا تتعلق بالخليج كما هو اليوم، بل بالخليج كما بقي في مخيلة بعض المثقفين. وحين صعد وأصبح لاعباً مؤثراً، لم تُصَب تلك النخب بخيبة أمل سياسية فحسب، بل بارتباك هوياتي أعمق.
وهنا تظهر الكراهية الطبقية-الرمزية: رفض النموذج ليس بسبب سياساته، بل لأنه لا ينسجم مع الصورة المحفورة في الذهن. ولأن تعديل الصورة يعني الاعتراف بالخطأ، يلجأ بعضهم إلى سردية مضادة تُريح الذاكرة.
والجذر أعمق: هؤلاء المثقفون تشكّلوا في مختبرات الأيديولوجيا لا مدارس البناء، نشؤوا على معيار واحد: من يواجه ومن يستسلم، من يحمل الشعار ومن يبيعه. وحين يظهر نموذج يتكلم لغة الإنجاز، لا يجدون له خانةً في قاموسهم القديم، فيتحول اغترابهم ببطء إلى اتهام.
وهنا تكتمل المفارقة. المثقف الذي لا يكف عن الحرية وحقوق الإنسان، يتعايش برحابة غريبة مع أنظمة تقمع ما يدّعي الدفاع عنه.
تسأله عن المرأة التي تُجلد أو الشاب الذي سُجن لأنه غنّى، فيجيبك: «السياق مختلف». الحرية عنده مشروطة بالجغرافيا؛ لأن المسألة ليست في القيم، بل في الخريطة، هو لا يدافع عن إيران، بل عن صورة عالم تعلّمها، مقسوم بين مواجهة وتطبيع، بين صامد ومتخاذل. كمن يصرّ على خريطة مدينة تغيّرت شوارعها كلياً. أن يُعيد رسم الخريطة يعني أن يُعيد بناء نفسه وهذا ثمن لا يريد دفعه.
المنطقة لم تعد تنتظر أحداً. أما المثقف المؤدلج فلا يزال يُلقي خطبه أمام مقاعد خاوية، مقتنعاً أن الجمهور هو من تأخر. التاريخ لا يُدوّن الأصوات العالية، بل يُدوّن الأثر. وحين يكتب المؤرخون هذه المرحلة، لن يسألوا: من كان أكثر حماساً؟ بل سيسألون: من بنى؟ ومن ظلّ يتحدث عن البناء؟.