حسن إبراهيم النعيمي

يشهد الشرق الأوسط مرحلة دقيقة من التصعيد في الحرب الحالية، في سياق دولي يتجه نحو تعددية قطبية وتراجع في آليات الضبط التقليدية للنظام العالمي. وفي مثل هذه اللحظات، تتكاثر القراءات العاطفية أو الرمزية للأحداث، بينما تظل الحقيقة السياسية أكثر بساطة: الدول تتحرك وفق حسابات أمنية ومصالح استراتيجية، لا وفق سرديات تعبئة أو نبوءات تاريخية.
المطلوب اليوم قراءة هادئة لطبيعة الصراع، وتقدير مخاطره، والبحث عن مخارج عقلانية تمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع أو استنزاف طويل الأمد.
* أولاً - طبيعة الصراع: مواجهة مباشرة أم صراع مركّب؟
التوتر الحالي ليس وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات طويلة تتعلق بالملف النووي الإيراني، وتوازن الردع مع إسرائيل إضافة إلى شبكة تحالفات إقليمية معقدة.
ما نشهده أقرب إلى صراع مركّب متعدد المستويات: ضربات محدودة، رسائل ردع محسوبة، ضغوط اقتصادية، ومحاولات لإعادة رسم قواعد الاشتباك. وهذا النوع من النزاعات أكثر خطورة من الحروب التقليدية، لأنه يترك هامشاً ضيقاً بين الردع والانفلات.
* ثانياً - مخاطر التصعيد: أين تكمن الخطورة؟
رغم إدراك الأطراف لكلفة الحرب الشاملة، فإن المخاطر قائمة في أربعة مسارات رئيسية:
1.اتساع رقعة المواجهة جغرافياً ودخول أطراف إقليمية إضافية.
2.اضطراب أسواق الطاقة والملاحة البحرية بما يحوّل النزاع إلى أزمة اقتصادية عالمية.
3.سوء التقدير العسكري نتيجة قراءة خاطئة لنوايا الطرف الآخر.
4.الاستنزاف طويل الأمد الذي يرهق الجميع من دون حسم.
أما احتمال التصعيد النووي، فبرغم حساسيته النظرية، فإنه يظل خياراً شديد الكلفة سياسياً وإنسانياً، ما يجعله بعيداً عن منطق الدولة العقلاني، وإن كان لا يمكن إغفال مخاطره بالكامل.
* ثالثاً - دور الخطاب والتعبئة في تعقيد المشهد:
في أوقات الأزمات، تميل بعض الخطابات إلى تحويل النزاع السياسي إلى صراع وجودي أو رمزي، وهو ما يرفع مستوى الاستقطاب ويُضيق مساحة الحلول التفاوضية. غير أن التجربة التاريخية تشير إلى أن الحروب، مهما بدت مؤدلجة، تنتهي في نهاية المطاف وفق حسابات المصالح والتوازنات، لا وفق السرديات التعبوية.
* رابعاً - دور دول الخليج: ضبط الإيقاع ومنع الاتساع:
في هذا السياق، تبرز دول الخليج كعنصر توازن إقليمي مهم. موقعها الجغرافي، وارتباطها بأسواق الطاقة العالمية، وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، يمنحها قدرة على الإسهام في احتواء الأزمة.
ضبط النفس الاستراتيجي هنا ليس حياداً سلبياً، بل سياسة واعية تهدف إلى منع انتقال التوتر إلى ساحات جديدة. امتصاص ردود الفعل الغاضبة، وتجنب الانخراط في ردود متسلسلة، يسهمان في تقليص مساحة التصعيد.
كما أن الحفاظ على استقرار الممرات البحرية ومنشآت الطاقة يمثل أولوية مشتركة، لأن أي اضطراب فيها يضاعف الضغوط الاقتصادية ويزيد احتمالات التوسع. ومع مرور الوقت، وهدوء موجة الغضب الأولى، تتهيأ الظروف لعودة العقل السياسي إلى البحث عن حلول تحفظ مصالح جميع الأطراف، سواء عبر مفاوضات مباشرة أو من خلال وسطاء موثوقين.
* خامساً - مسار الاحتواء: مقاربة عملية مختصرة:
إن إنهاء هذه المواجهة بأقل الخسائر يتطلب ثلاثة عناصر مترابطة: أولاً، إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة لتجنب سوء التقدير، ثانياً، تثبيت تهدئة مرحلية توقف العمليات العسكرية وتمنح المجال للتحرك الدبلوماسي، وثالثاً، الانتقال تدريجياً إلى مسار تفاوضي يعالج القضايا الجوهرية بدل الاكتفاء بإدارة الأعراض. هذه المقاربة لا تعني تنازلاً استراتيجياً، بل إدارة عقلانية للصراع تحول دون تحوله إلى حرب شاملة أو استنزاف طويل يضر بالجميع.
* متى تنتصر الدولة؟
القوة ضرورية للردع، لكن الحكمة ضرورية لمنع الانفجار.
الدول التي تدرك حدود القوة هي الأقدر على توظيفها من دون أن تنجرف وراءها.
التحدي اليوم ليس في القدرة على التصعيد، بل في القدرة على إيقافه في اللحظة المناسبة. فالحروب الكبرى، مهما اشتدت، تنتهي في النهاية على طاولة المفاوضات — والسؤال هو: هل تأتي المفاوضات بعد سنوات من الاستنزاف، أم بعد إدارة رشيدة للأزمة؟
..الاختيار لا يزال بيد صناع القرار.