هل ثمّة شيء أعجب من عجز العربي عن فهم طريقة التفكير العربية؟ يقيناً، لا ينقص السياسات العربية الابتكار، بإضافة نظريات جديدة كلياً إلى العلوم السياسيّة: التأجيليّة، الإرجائيّة، التلكئيّة، التسويفيّة... رويدك مهلاً، فلا فوريات ولا مستعجلات في القاموس السياسي العربي.
واهمٌ من كان يظن أنه بمجرّد ظهور الشرارة الأولى، تتوقّد الخطوط الساخنة لهواتف القيادات العربية: نعلن حالة الطوارئ القصوى، فهذه الكرّة لا تلوح هيّنةً محمودة العواقب. إن الصفرة التي في الأفق تنبئ بالأعاصير والعواصف. إن المصلحة العليا تجبّ ما قبلها. حالمٌ من كان يحسب أن وزراء الدفاع العرب سيجتمعون في عاصمة، وفي أخرى وزراء الخارجيّة، ولدى كل واحد من الجمعين باكورة التصورات والتقديرات والتحليلات. يفتتح جلسة حقائب العلاقات الدولية، دبلوماسي «معتّق» بدعابة: ما رأيكم، قبل البدء، في أن نفاجئ القيادات، بأننا احتفلنا بدفن ما شاب أواصرنا من خلافات؟ الغفران المتبادل يغسل كدر النفوس. وإذا كنّا قد نسينا اقتفاء آثار عظماء تاريخنا وحضارتنا، أفهل يُعجزنا نسيان قش على سلسبيل الصلات؟
الخطوات الواثقة، يجب أن تُتخذ بعقلانية متبصّرة. الأهمّ بالدرجة الأولى، هو اكتشاف المنزلقات: ما الذي يُحبك ويحاك؟ أسوأ الفخاخ التي وقعت فيها الأمّة، هي تلك التي غلّفها المغرضون ببهارج المنطق. ردّد القلم مراراً عبارة: «سيقتلنا المنطق». كل تداعيات أحجار الدومينو، كانت وراءها خطط مُحكمة النسيج: أسباب «مُمنطقة»، تؤدي إلى نتائج تبدو مقنعة. بعد تنفيذ الخدعة، يفاجأ العرب بأن وطناً طار، وبلداً تفكك، ودولةً فشلت وشعباً ذهبت ريحه. ثم: «نكست وان».
لا يقولنّ أحد: «إلاّ أنا، فأنا بريء من الذين أخطأوا في حق شعوبهم، ولم يشيدوا صروحاً تنمويّة في جميع المجالات». العلاقات الدولية، تشبه حركة المرور. تكون قيادتك منضبطةً متقيّدةً بتفاصيل القانون. ما لا تأمنه هو مفاجآت العابثين بالقوانين. انتهاك واحد أو مغامرة يمكن أن تُودي بعدد غفير. أمّا مغامرات إشعال الحروب فالله أعلم بمنتهاها. للأسف افتقار العالم العربي إلى مؤسسة دراسات استراتيجية موحّدة ومركز طوارئ للدفاع العربي المشترك، لا ينام على مدار الساعة، جعل المنظومة تلدغ من الجحر نفسه مراراً، والحبل على الجرار.
لزوم ما يلزم. النتيجة المذاقية: الطُّعم هو هو، لكن مرةً بتشريب عراقي، مرةً ببازين ليبي، ومرةً بشاكرية سورية. ويقولون: هل من مزيد؟

[email protected]