د. صلاح الغول
مع تصاعد الحرب في المنطقة، عمدت طهران لنقل المواجهة إلى الخليج، عبر موجات متتالية لا تتوقف من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والمسيّرات، لكن السماء كشفت مفاجأة مختلفة، خصوصاً في الإمارات، عن مستوى مختلف من الجاهزية الدفاعية الخليجية.
فخلال عقدين، بنت دول الخليج منظومات دفاع متعددة الطبقات، إنذار مبكر، رادارات بعيدة المدى، وأنظمة اعتراض للصواريخ الباليستية وكروز والمسيّرات، وقد اختُبرت هذه القدرات فعلياً، حيث نجحت الإمارات في اعتراض هجمات إيرانية معقدة بنسبة تجاوزت 96%.
ورغم تنوع الترسانة الإيرانية ومحاولات الإشباع الصاروخي، فإن التكامل الدفاعي الخليجي يقلص كثيراً من فعالية هذه التهديدات، ويحافظ على توازن الأمن في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
وتبرز حالة دولة الإمارات كنموذج يُحتذى في هذا الإطار، فبرغم تأكيدها أكثر من مرة أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي أو مياهها الإقليمية في الهجمات الأمريكية على إيران. وعلى الرغم من الاختلال الحاد في الموارد البشرية والجغرافية لصالح إيران، فإن الإمارات -التي يبلغ عدد سكانها نحو 11 مليون نسمة، لا يشكل المواطنون سوى قرابة 10% منهم-تُظهر قدرات ردع ودفاع متقدمة للغاية.
ولا يعود هذا إلى الحظ، بل هو نتاج نهج تراكمي تطوّر عبر السنوات، يزاوج بين تحالفات قائمة على الحياد المتوازن في الأزمات الدولية، ورؤية استراتيجية لقيادة متبصرة تهدف إلى الانتقال من دولة مستورِدة لقدرات الدفاع إلى دولة تطوّر قدراتها التكنولوجية المتقدمة ذاتياً، بما يعزز أمنها الوطني وازدهارها الاقتصادي، كما أنه نتاج شراكات استراتيجية متنوعة في مجال الصناعات الدفاعية، تضم، بالإضافة إلى الولايات المتحدة والدول الغربية الرئيسية، كوريا الجنوبية والصين وروسيا وتركيا وغيرهم.
وقد أسفر هذا المزيج من الشراكات الدولية والقدرات الوطنية عن بناء منظومة دفاعية متعددة الطبقات تُعد من الأكثر تطوراً في العالم والمنطقة، وبميزانية دفاع سنوية تقارب 27 مليار دولار-يُخصص جزء كبير منها لمنظومات الدفاع الجوي، والقدرات السيبرانية، والحرب الإلكترونية- نجحت الإمارات في تشييد نموذج «ردع شبكي» يجمع بين أحدث التقنيات، والتكامل النظامي، وشراكات دولية متنوعة تستند إلى سمعة موثوقة ومعروفة، يشكّل نظام الدفاع الجوي الوطني الركيزة الأهم لصمود دولة الإمارات في هذه المرحلة، وهو منظّم في ست طبقات مترابطة ومتكاملة، تجمع بين تقنيات مستوردة وقدرات صناعية طُوّرت محلياً.
في أعلى المستويات، يعتمد النظام على منظومة ثاد THAAD الأمريكية، القادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية في المرحلة النهائية، سواء خارج الغلاف الجوي أو في أعاليه، باستخدام تقنية (الاصطدام الحركي المباشر) دون متفجرات لتقليل الحطام، وتعتمد الطبقة الثانية على منظومة باتريوت (MIM-104 PAC-3) لاعتراض الصواريخ الباليستية التكتيكية وصواريخ كروز والطائرات المقاتلة، مع توجيه راداري نشط وقدرة على العمل في ظروف الإشباع.
أما الطبقتان الثالثة والرابعة، فتعتمدان على منظومتي M-SAM (Cheongung II) الكورية-الجنوبية ومنظومة Barak 8، القادرتين على التعامل مع الطائرات وصواريخ كروز والذخائر الموجهة بدقة، وبمدى يقارب 100 كيلومتر وتغطية شاملة بزاوية 360 درجة، بما في ذلك المروحيات، والصواريخ المضادة للسفن، والطائرات المسيّرة.
وتستند الطبقة المتوسطة–المنخفضة إلى منظومة Pantsir-S1 الروسية، الفعّالة ضد الأهداف منخفضة الارتفاع، بما في ذلك أسراب الطائرات المسيّرة، من خلال الجمع بين الصواريخ والمدافع.
أما الطبقة الأخيرة فتعتمد على تكنولوجيا إماراتية خالصة عبر منظومة SkyKnight التي طوّرتها شركة أو مجموعة إيدج EDGE، بمدى يصل إلى 10 كيلومترات، وقدرة على تتبع 80 هدفاً في آن واحد، ومعدل إطلاق سريع يصل إلى خمسة صواريخ في الثانية، ومتكاملة ضمن أنظمة Skynex للأصول الثابتة والمتحركة.
وتوفّر هذه البنية السداسية الإماراتية للدفاع الجوي قدرة دفاعية شاملة تضمن مرونة عالية في الاعتراض: إذا أخفقت THAAD تتدخل باتريوت، ثم M-SAM أو Barak 8، تليها Pantsir، وأخيراً SkyKnight.
والنتيجة تُعد مثيرة للإعجاب حتى مقارنة بالعديد من الدول الغربية المتقدمة.
فمنذ 1-17 مارس (آذار) الجاري، أطلقت طهران 314 صاروخاً باليستياً، و15 صاروخاً جوالاً (كروز)، و1672 طائرة مسيرة ضد أهداف إماراتية، جرى اعتراض 96% منها جميعاً، وبلغت الخسائر ثماني وفيات وأضراراً محدودة بالبنية التحتية المدنية أو الحيوية، معظمها ناجم عن حطام عمليات الاعتراض.
ومع أن الاختبار الحقيقي يكمن في القدرة على الاستدامة خلال حرب استنزاف، فإن الصمود الإماراتي —سياسياً وعسكرياً— يوجه رسالة واضحة: كل إخفاق إيراني يُقوّض مصداقية طهران، وكل نجاح إماراتي يعزز ثقل الدولة في النظام الإقليمي والأسواق العالمية ومسارات الملاحة، وفي إقليم يموج فيه سعير الصراع، لا تدافع دولة الإمارات عن نفسها فحسب، بل تحمي أيضاً نظامها الخليجي بل والتوازن الذي تستند إليه السياسة والاقتصاد العالميان.
والخلاصة أن دولة الإمارات تُظهر قدرة فائقة ومثيرة للإعجاب على الصمود أمام الاعتداءات الإيرانية السافرة، عن طريق درع جوي سداسي الطبقات، وردع قائم على القدرات الدفاعية الوطنية، وشبكة من الشراكات الدولية المتنوعة.