يحيى زكي

يبدو أننا نعيش في عصر يتمتع فيه الجهل بجاذبية كبيرة وقدرة غير مسبوقة على الانتشار، والجهل في هذا العصر بخلاف الفترات السابقة يتميز بقدرته الفائقة على استخدام أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا الحديثة، بل إنه يستخدم تقنيات وحجج العلم نفسه، ما يجعلنا نشعر أننا أمام جهل مركب، والملاحظة الثانية أن هناك من يدافع عن هذا الجهل بقوة وكأنه يدافع عن العلم.
في الماضي كان الجهل يتسم بالضعف ويمارس في أماكن مهمشة وطرفية، ويستخدم أدوات بدائية، ويناقض الحداثة بكل صورها وأشكالها، وكان الجميع يعرفون أن ما يقدم لهم ليس أكثر من جهل، ويحذرون منه. الآن الصورة انقلبت تماماً. والجهل في هذه الأيام أيضاً يلعب على كل ما هو مثير وغرائبي ومدهش ويدعو إلى التساؤل، فالعادي والمكرر والمعروف لا يجعلنا نتوقف أمامه أو ننتبه إليه، فعندما قالت كل المعتقدات والأديان والنظريات العلمية إن الماء مفيد وهو أساس الحياة، تحولت المعلومة إلى حقيقة تداولها البشر لآلاف السنين، ولم تعد تلفت انتباه أحد، أما عندما يقول بعضهم الآن على مواقع التواصل إن الماء مضر بالصحة، تتحول المقولة إلى «ترند»، تلحقها مجموعة «ترندات» أخرى، تتناول بالنقد أو النقض كل ما عرفناه سابقاً ويتعلق بالطعام أو الصحة، وهي «ترندات» لا يتردد أصحابها في دعم وجهة نظرهم بمقولات علمية، وتعتمد أمثال تلك «الترندات» على آليتين متتاليتين، الأولى إثارة الغرابة، والثانية الركون إلى معلومات علمية، ولكنها في النهاية وبعد التفكير العميق ندرك أنها ليست أكثر من لعب على نغمة الجهل.
الموضوع في مواقع التواصل لم يعد يتعلق بالصحة أو العلم، ولكن بالتاريخ أيضاً، عندما يخرج علينا أحدهم ويردد مقولة تنسف حقيقة تاريخية راسخة، هو لا يكتفي بذلك، بل يتسلح بتحليلات وشواهد ونتائج تؤيد أطروحته في غياب شبه تام للمؤرخين الحقيقيين. ومن يستثمر التاريخ في «الترند» لا يتورع عن تناول الدين بكل ما يمكن أن يثيره هذا الحقل من حساسية وسوء فهم وكراهية بين أتباع المذاهب والديانات المختلفة. مظهر آخر للجهل نجده في نظريات المؤامرة أو تلك الأفكار التي تقدم لك وجهة نظر مختلفة ومباينة تماماً لقضية ما، كنت تحسب نفسك تعرف بعض جوانبها فيأتي صاحب نظرية المؤامرة بكل ما هو غريب وعجيب من أجل أن يجتذب متابعين له.
الخطورة في الجهل فائق الحداثة، إن جاز التعبير، أنه لا يتوقف عند كل هذه المفاصل، بل هو يتسلح بالزيف والكذب، عندما ينشر فيديوهات ومقاطع مصورة كاذبة عن وضع ما، ويروج لها عند الآخرين الذين لا يعيشون في المكان المعني بالأحداث ليرسم صورة مغايرة تماماً للحقيقة، ولكنها للأسف صورة كاذبة تلعب كما قلنا قبل ذلك على كل ما هو غريب وعجيب وخارج على المألوف.
إذن نحن أمام جهل قوي وشرس، يستخدم أدوات حديثة، يكذب، ويخدع الوعي، ويستخدم منهجية العلم، ويوظفها في الإضرار بالبشر، ورحم الله ذلك الجهل البسيط الذي كنا نعرفه جمعياً ونتجنبه، والآن نبتسم ساخرين من سذاجته.