هل تعرف كيف سيكون الناس كل عام وهُم بخير؟ هنا منطلق الفرس. يتحقق ذلك عندما يستشرفون مقبل الأيام. لعلم الذين لم تطمئن قلوبهم إلى الاستشراف، بدعوى أن به شبهةً منافيةً للإيمان، فهو كأنما يدعي علم الغيب، أو هو ضرب من افتراء المنجمين على النجوم، ليس ذلك من الاستشراف في شيء. هذه الرؤية الزرقاء اليماميّة نظرةٌ ثاقبة مِقرابية المدى، مجهريةٌ سبريّة الغور، تنفذ إلى العلة الأولى والحمض النووي. من حصيلة المعلومات والحسابات الدقيقة، يستنتج العقل العلمي استشراف ما سيكون، واستشفاف ما سيحدث، واستهداف ما لا تخطئه السهام، فلا يعيش أيامه في ضياع الإبهام والإيهام.
أحوج ما يحتاج إليه العالم العربي، استشراف المستقبل، لكن قبل الحديث عن واقع الوقائع، يجدر التذكير بأنه قبل أن يسخّر الإنسان الحواسيب العملاقة والذكاء الاصطناعي، في الأرصاد الجوية، كانت عين العربي قبل الإسلام، تُحدّق في الأفق بُكرةً أو أصيلاً، فتعرف أنباء الأنواء والرياح، وكانت السحائب والغيوم تحمل نشرة أخبار جوية. أطرف من ذلك أن عالم النبات كان أعلم من علماء الرصد الجوي بما سيحدث بعد شهور. كان البصل يفشي للفلاحين الأسرار. إذا رأوا قشور البصل كثيفةً (خطأ أن تقول سميكة)، فذلك دليل على أن الشتاء سيكون قارساً قرّاً زمهريراً، فإذا كانت القشور شفيفةً رقيقةً، فالشتاء سيكون نسيمي الهواء، ربيعي الهوى. تُرى من علّمه؟ قل إنما أُوحي إليه، تبارك ربّ الوحي العظيم.
دائماً يجرف الاستطراد القلم، مثلما تلعب العربدات الدولية بالشرق الأوسط، المتمطّط المنفطر المنفرط. العجيب هو أن استشراف المستقبل يعمل متماسكاً في جل أصقاع الأرض، وما إن ينزل ضيفاً، هنيهةً على المضارب العربية، حتى يغدو ماءً ينفلت من بين الأنامل، بتعبير كعب بن زهير:«إلاّ كما تُمسك الماءَ الغرابيلُ». دعنا من حادثات الليالي في مطالع القرن الماضي، والتراجيديا التي انبنت عليها. تكفي تداعيات الغزو العراقي وما تلاها، فلم يرَ أحد من مئات ملايين العرب، شيئاً على شاشة المستقبل، ثم هوت ليبيا وسوريا فالمتتاليات، حتى الأحداث الحاليّة، ولا زرقاء يمامة.
لزوم ما يلزم: النتيجة اليقينيّة: التحليلات متباينة في العالم العربي، لكن الحقيقة الجوهريّة، أن الأخطار تتهدد الخريطة من الماء إلى الماء.
[email protected]