علاء الدين محمود
الرواية هي أكثر الأنماط الإبداعية حيويةً وحركية في رصد متغيرات الواقع والتعبير عن حركة المجتمع في ظل التحولات العميقة، إذ ظلت على الدوام تغير جلدها وتطرح تقنيات وأساليب جديدة في سبيل اللحاق بمتغيرات العصر. ومن هنا، طرأ تطور كبير على السرد، بحيث تظهر في كل مرة -عبر عمليات التجريب -اتجاهات ومدارس وتيارات جديدة برؤى ووعيٍ مختلف، في فضاء يلتقي فيه الجمال بالعمق الفكري.
ولعل من أبرز العلامات الفارقة في مسيرة الرواية ما بات يُعرف بـ «السرد الهجين»، إذ إن الإبداع الروائي الحديث والمعاصر لم يعد مجرد حكاية تُروى من البداية إلى النهاية عبر الخط الزماني المتعارف عليه، بل تحول إلى مختبر تنصهر فيه الفنون والأجناس المختلفة، من شذرات وشعر وفلسفة وعلم نفس وتاريخ واجتماع وسياسة، وغير ذلك، لِيُنتج «السرد الهجين». وهو أسلوب استطاع كسر الحدود الصارمة بين الأدب وغيره من المعارف، ليقدم نصاً مفتوحاً يتجاوز القوالب الكلاسيكية بشكل صارخ يثير الجدل.
ظهر السرد الهجين كنزعة فنية واضحة مع تبلور تيار «ما بعد الحداثة» في منتصف القرن العشرين، كمحاولة لكسر القوالب التقليدية عبر الدمج بين مستويات وأساليب لغوية تتلاعب بالزمن والوعي. ولم يكن الهدف من تلك «الهجنة» الفوضى أو استعراض المقدرات الفنية، بل محاولة تقديم رؤية شمولية للإنسان الذي يعيش في عالم متشظٍ، تذوب فيه الحدود بين الواقع والافتراض، وبين الخاص والعام. فالعالم اليوم مفعم بالمعلومات والتغريدات والأخبار والصور، وتعمل الرواية المهجنة على تدوير هذه الشظايا لتقول إن الواقع نفسه أصبح مهجناً وغير مترابط، ولا يمكن التعبير عنه بحكاية بسيطة لها بداية ونهاية.
تكمن جمالية السرد الهجين في قدرته على «كسر الرتابة»، فالقارئ لم يعد يواجه كتلة نصية صماء، بل يتنقل بين قصيدة نثر، ووثيقة تاريخية، وسيناريو سينمائي، وحتى قصاصات من وسائل التواصل الاجتماعي. هذا «الكولاج» الأدبي يخلق إيقاعاً بصرياً وذهنياً متجدداً، تتحول معه الرواية من مجرد «كلام» إلى «بناء فني متعدد الأبعاد»، فالسرد الهجين هو إعلان صريح بأن الرواية هي الجنس الأدبي الأكثر قدرة على «الاستيعاب»، فهي تستوعب الصحافة، والسينما، والتاريخ، لصياغة لغة جديدة.
ورغم أن هذا النمط لقي انتقادات تلخصت في أنه يفتت وحدة النص ويصيب القارئ بالارتباك، واتُّهِم أحياناً بالحذلقة والاستعراض وتمييع الحدود بين الأدب والعلوم الأخرى، ما يهدد خصوصية الفن الروائي، إلا أنه يظل النمط الأصدق تعبيراً عن روح العصر، محولاً القراءة من «نزهة هادئة» إلى «مغامرة استكشافية» في أعماق عالم معقد ومتغير.
[email protected]