كم مرة سألت أحدهم: «كيف حالك؟» رغم أنك لا تعنيها، بل أصبحت شيئاً اعتيادياً؟ وكم مرة جاءك هذا السؤال وأجبت بشكل تلقائي من نفسك بدون تفكير أنك «بخير» حتى لو كان لديك شيء آخر في ذهنك؟ وكم مرة مررت بجانب أحد في العمل، فتبادلتما هذه الأسئلة بشكل سريع وأنتم تمشون حتى؟ هذه الأسئلة التي كانت يوماً ما تعبيراً حقيقياً عن الاهتمام، تحولت إلى مجرد شيء اعتيادي يطلق من باب المجاملة.
لم يعد سؤال «كيف حالك؟» سؤالاً، بل صار يشبه التحية، مثل «صباح الخير» أو «مساء النور». كلمات نقولها لأننا تعلمنا أن نقولها وليس لأننا نريد أن نعرف الإجابة؛ فالإجابة المتوقعة دائماً هي «بخير»، حتى لو كنت تمر بأسوأ أسبوع في حياتك. حتى لو كنت مرهقاً، قلقاً، حزيناً، أو ضائعاً. الإجابة الصحيحة اجتماعياً هي دائماً «بخير».
جرب يوماً أن تجيب بصدق، قل «صراحة، أنا متعب جداً»، أو «أمرّ بوقت صعب»، ستلاحظ شيئاً مختلفاً تماماً، وهو أن السؤال أصبح فعلاً يؤدي غرضه، سيشعر الطرف الآخر بأنك فعلاً تثق به بما فيه الكفاية لتتحدث معه عن همومك، وقد يبادلك الطرف الآخر أيضاً الأمر ذاته، وهذا الغرض الصحيح لهذا السؤال.
وكأننا صرنا نعرف أن «كيف حالك؟» لا تحتاج إلى إجابة حقيقية، و«بخير» لا تعني أنك فعلاً بخير. هذا فقط ما نقوله لنستمر في اليوم.
نحن نعيش في زمن نتحدث فيه كثيراً، لكننا نتواصل بشكل إنساني وواقعي قليلاً. نسأل أسئلة لا نريد إجاباتها. نجيب بإجابات لا نعنيها، كأننا نبني جدراناً من الكلمات المهذبة، ونسميها لباقة اجتماعية، لكن خلف هذه الجدران، الكثير منا يشعر بالوحدة فعلاً.
ربما المشكلة ليست في السؤال نفسه، بل في كيف نستخدمه، «كيف حالك؟» هو سؤال جميل، لو كان حقيقياً. لو توقفت فعلاً لتسمع الإجابة. لو كنت مستعداً لأن تسمع «لست بخير»، وأن تبقى هناك لتستمع، لكننا في عجلة دائمة. ليس لدينا وقت للإجابات الحقيقية. لدينا وقت للتحيات السريعة، للابتسامات المصطنعة، لكن ليس لدينا وقت للمشاعر الإنسانية. ربما نحتاج أن نتوقف قليلاً وأن نسأل أقل، لكن بصدق أكثر. أن نقول «كيف حالك؟» فقط حين نكون مستعدين لسماع الإجابة، أياً كانت؛ لأن الإنسان لا يحتاج للعشرات ممن يسألون ولا يسمعون، بقدر الحاجة لمن يسأل ويسمع.
سؤال لا ينتظر الإجابة
22 مارس 2026 00:04 صباحًا
|
آخر تحديث:
22 مارس 00:04 2026
شارك