في عصرنا، وفي مختلف المجتمعات، تظهر حالات من التوتر، وتتعدد الأسباب. والحقيقة أن التوتر تجاوز مجرد شعور عابر بالضيق، ليصبح في بعض الحالات وكأنه سبب لتوقف الإنتاجية أو التراجع، بل حتى المبالغة في ردات الفعل.
حضور التوتر ليس متعلقاً بأسباب جوهرية كبرى، بل كأنه رفيق ثابت مع البعض، نلاحظه في زحام مروري عابر، أو خلال مشاهدة لمقطع قصير عبر هواتفنا، والكثير من الأسباب الأخرى. الموضوع ليس متعلقاً بمجتمع محدد أو أفراد هنا أو هناك، بل هو ظاهرة عالمية، واسعة الانتشار، ولها كلفة جسيمة وبالغة على الاقتصادات في مختلف أرجاء العالم. منظمة الصحة العالمية بينت أن القلق والتوتر يكلفان الاقتصاد العالمي نحو تريليون دولار سنوياً بسبب فقدان الإنتاجية. والضرر لا يتوقف هنا، بل أولاً يضرب الفرد نفسه، ويربكه ويسبب تراجعاً وأضراراً نفسية مؤلمة تؤثر في سعادته واستقراره، بل في مجمل جودة الحياة التي يعيشها.
مع الأسف، البعض من أسباب التوتر يمكن تجنبه، بل تجاوزه، مثل الأسباب التي تنتج عما يسمى بالاستعراض الرقمي، وما يسببه من مقارنات دائمة، أيضاً هناك ظاهرة تسمى بالضغط لتحقيق النجاح السريع، ولا ننسى تراكم المتطلبات المادية، أو التسابق نحو الكمال، وغيرها الكثير، وجميعها جعلت الفرد في حالة استنفار مستمر، دون توقف، وهو ما يسبب الإرهاق والتوتر، ثم الإحباط والانهيار، لأن رغبة الإنجاز دون تخطيط، أو تجهيز أو المخاوف من الفشل، باتت عائقاً وحاجزاً، ولا ننسى انعدام الموازنة بين الحياة المهنية أو الشخصية.
ومع مثل هذه الحالات التي تسبب التوتر، تصبح الجهود للتخلص منه أهدافاً واقعية، بل مثالية لحياة صحية وسعيدة. ولا يمكن البدء دون قرار شخصي، ووعي وفهم بأن التوتر ليس دافعاً نحو النجاح، بقدر ما أنه أداة تحطيم صامتة يجب التخلص منها.
التوتر حالة عالمية، نعم. وهو نتيجة طبيعية لنمط الحياة التي نعيشها، صحيح، لكنه في اللحظة نفسها ليس مرضاً أو قدراً محتوماً لا فكاك منه، حيث يمكننا جميعاً التخلص منه، وتجاوزه والتغلب عليه من خلال تبني عادات وممارسات بسيطة، والتركيز على سلامتنا النفسية، وهذا يتحقق بالوعي والفهم والمعرفة.
وتذكر أنك لست بعيداً عن التوتر، فقط تحتاج إلى التوقف لبعض اللحظات ومراجعة تصرفاتك، وردات فعلك، وهل كانت هادئة، ومناسبة، أم مبالغاً فيها. بهذه المراجعة للنفس، يمكننا رصد أسباب توترنا، والبدء في العمل على تجاوزها والتغلب عليها.


[email protected]