«الخسارة هي المفاوض الوحيد والحقيقي»، هناك لحظة تجد فيها الدول نفسها مضطرة للتخلي عن العناد والشعارات، ليس لأنها استوعبت دروس التاريخ فجأة، بل لأنها خسرت الواقع وخسرت الشارع.
الدول التي عاشت طويلاً على الأوهام تصطدم بالحقيقة كما هي، لا كما أرادتها، فالخطابات الرنانة قد تملأ شاشات التلفاز، لكنها لا توفر خبزاً للجائعين ولا تحمي عروشاً نخرها الفشل من الداخل. أحياناً الهزيمة هي المعلم الأول، وليست كتب التاريخ والفلسفة.
الأنظمة الأيديولوجية لا تقرأ التاريخ لتتعلم منه، بل تستخدمه لتبرير أخطائها. التاريخ ليس منصفاً دائماً في يدها، بل قناع مزيف تلبسه لتغطية الخسارات المتراكمة. وحين تنفصل الدولة عن الحقيقة يبدأ التخلف المنطقي، لا حين تسقط الدولة، بل حين تتوقف عن الشعور بالسقوط.
الواقع هو الحقيقة الوحيدة، لا مكان فيه للأماني. الفقر والتخلف وسوء الإدارة، لا تعرف الخطب، ولا تحفظ الشعارات، تعرف فقط أنها موجودة. الأنظمة الأيديولوجية لن تجلس على طاولة التفاوض إلا إذا ذاقت طعم الخسارة. في النهاية ينتصر المنطق، وتفرض الخسارة شروطها على من رفض أن يسمع.
وإيران اليوم ليست استثناءً، بل هي النموذج الأوضح. بعد عقود من التمدد الأيديولوجي العابر للحدود، الحصيلة واضحة: اقتصاد منهك، ووكلاء يترنحون، والشعوب تبحث عن حياة كريمة، عن وطن تعيش فيه، لا وطن تُقتل من أجل شعاراته. تحت سطوة الهزيمة يبدأ الخذلان والتراجع وطلبات التفاوض. لا تنخدع بالوقائع والمشاهد، هذا ليس وعياً سياسياً متأخراً، بل تراجع المضطر لا الحكيم.
متى نتعلم؟ الأمم الواعية تعرف أن شعبها المتحضر هو خط دفاعها الأول، فتصلح مسارها قبل أن تضطر. أما الأمم التي تسير خلف الشعارات، فلا تفيق إلا بعد أن تدفع ثمن الخسارة من مستقبل أجيالها.
هذا إن أفاقت وتعلمت.