هل اتّفق لك أن تناولت الأمثال السائرة، المألوفة عبر القرون، بالتجربة الذهنيّة؟ المثل أحياناً كالعملة، له وجهان، وقد تكتشف في الوجه الآخر، ما يريك أموراً أهمّ بكثير ممّا هو معروف معهود. في زمن الحرب يتغيّر النموذج الفكري لما هو كائن، ولما يجب أن يكون. حتى الثقافة ومكوّناتها، التي كان الفرد ينظر إليها بعين رومانسية عاطفية، تزيينية ديكوريّة، يغدو البعد الوجداني فيها قضيةً وجوديّة. حتى النحو تصبح فيه العلاقات بين المفردات، وما تلعبه الأدوات من أدوار، مسرحاً للعمليات. الإطار الفكري للنحو في سوح الوغى، شيء مختلف. تتغير النظرة إلى الفاعل ونائب الفاعل، ومن وقع عليه فعل الفاعل، والمستثنى والتمييز والحال، والجارّ والمجرور وهلمّ جرّاً. ينتقل المشهد من حلقات سيبويه وابن هشام الأنصاري، إلى ميادين الجغرافيا السياسية والاستراتيجية.
لطالما أشار القلم إلى أن العرب في زماننا لا يشبهون قدماءنا، في التمسك بثقافة الفعل، والمناعة الوجودية المكتسبة. تخيّل لو قامر ضالّ أفّاق، برأسه، فتجرّأ على مناقشة عمرو بن كلثوم في السيادة على التراب، وزلّ لسانه قائلاً: سأهب ثلاثة أرباع مضاربكم لشخص يزعم أنه لا دار له. يقول ذلك للتغلبي: «ملأنا البرّ حتى ضاق عنّا.. وماءُ البحر نملؤه سفِينَا».
منذ قرون يتردّد المثل: «الشيء بالشيء يُذكر»، لم يتنبّه المؤرخون والباحثون للوجه الآخر، الذي هو الأخطر. العبارة عربية، فمن العجب، أن الناس لم يفطنوا للأمر: «الشيء بالشيء يُنسى». لا تعد إلى ما قبل القرن العشرين، فقد تداعت على الأمّة أحداث مدمّرة، كل واحد أنسى الشعوب ما قبله. في أقل من شهر حدث حدثان جللان، كلاهما أنسى الناس ما قبله.
كان العالم العربي في حمأة النبأ التراجيكوميدي الذي تَهدد أمّة أربعمئة مليون نسمة بابتلاع بلدان الشرق الأوسط، ابتلاع الدول بشعوبها، ولم يقولوا ما المخططات التي رسموها لشعوب حضاراتها هي الأعرق. يريدون الجغرافيا الطبيعية والاقتصادية، والباقي زوائد. تلك الضجّة اختفت نسياً منسيّاً، فقد اندلعت الحرب فلم يعد أحد يذكر القصة. بعد ذلك فاجأنا العدوان الذي اتسعت به خارطة الوقائع فصار الصاعق الذي أطلق شرارة العمليات خارج الصورة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الغرائبية: أفهمونا يا نوابغ الجغرافيا السياسية، هل الأحداث مترابطة أم متخابطة؟
[email protected]
دردشة الوجه الآخر للمَثَل
24 مارس 2026 00:07 صباحًا
|
آخر تحديث:
24 مارس 00:07 2026
شارك