نحن جيل محظوظ، لأننا نعيش في عصرٍ أصبحت فيه المعلومة على بُعد نقرة واحدة، والعمل الذي كان يستغرق ساعات بات يُنجز في دقائق. الطالب اليوم لا يحتاج إلى حمل كتب ثقيلة، بل يكفيه حاسوب محمول (لابتوب) خفيف الوزن يحوي مكتبة كاملة وعشرات الأدوات، والموظف لا يحتاج إلى ورقٍ أو أقلام، بل شاشة واحدة ولوحة مفاتيح. هذه نعمة حقيقية لا يستطيع أحد إنكارها. في عام 2014، قررت الباحثتان الأمريكيتان بام مولر ودانيال أوبنهايمر اختبار شيء بسيط: هل تدوين الملاحظات عبر الحاسوب أفضل فعلاً من الكتابة باليد؟ الإجابة البديهية هي «نعم» بالطبع، فالحاسوب أسرع، وأوضح، وأسهل للمراجعة. لكن النتيجة كانت مفاجئة، فقد أجرتا تجربة على 65 طالباً جامعياً طُلب منهم مشاهدة محاضرات معرفية. نِصف الطلاب استخدموا الحاسوب لتدوين الملاحظات، والنصف الآخر استخدموا الدفاتر والأقلام العادية. بعد المحاضرة، اختُبر الطلاب في مدى فهمهم للمحتوى، وكانت النتيجة صادمة: الطلاب الذين دوّنوا ملاحظاتهم يدوياً كان أداؤهم أفضل بكثير في الأسئلة التي تتطلب «فهماً واستيعاباً». أما الطلاب الذين استخدموا الحاسوب، فقد كتبوا ملاحظات أكثر وأسرع، لكنهم فهموا أقل!.
تقول الباحثتان في دراستهما: «الطلاب الذين دونوا ملاحظاتهم عبر الحاسوب كان أداؤهم أسوأ في الأسئلة المفاهيمية مقارنة بالذين كتبوا باليد». تفسر الباحثتان الأمر بطريقة بسيطة: حين تكتب عبر الحاسوب، أنت «تنسخ»، فالكلمات تظهر على الشاشة بسرعة، مما يجعلك تميل لتدوين كل ما تسمعه حرفياً دون معالجة ذهنية. أنت لا تفكر ولا تحلل، بل تتحول لمجرد آلة نسخ، لكن حين تكتب بيدك، تكون أبطأ، ولأنك لا تستطيع تدوين كل كلمة تقال، فأنت مضطرٌ لأن تسمع، وتفهم، وتلخص، ثم تعيد الصياغة بكلماتك الخاصة. هذا الجهد الإضافي هو ما يجعل المعلومة تترسخ في دماغك، وكأن القلم يجبر عقلك على العمل والتحليل بشكل أعمق. هذا لا يعني أن التقنية سيئة، فهي رائعة وضرورية ولا غنى عنها، لكن علينا أن ندرك أن لهذه السهولة «ثمناً».
حين يقوم الذكاء الاصطناعي بكل شيء بدلاً منك، وحين يقتصر تدوينك على لوحة المفاتيح فقط، فأنت لا تخسر مهارة الكتابة فحسب، بل تُضعف قدراتك التحليلية. الكتابة باليد قد تكون بطيئة أو متعبة أحياناً، لكنها تجبرك على «المعالجة الذهنية»، وهذا ما يجعل المعلومة تبقى معك ولا تمر عليك مرور الكرام.
لذا، فإن تبنّي التقنية ليس خطأً، ولكن الذكاء يكمن في كيفية الدمج بين مواطن قوتنا البشرية والوسائل التقنية الحديثة في آنٍ واحد.