يحيى زكي

لم يعد هناك ما يثير الدهشة، ونعني هنا الدهشة الحقيقية التي تحفز العقل ويتولد عنها الإبداع والابتكار. أصبح كل شيء يدور في فلك العادي وغير المؤثر والذي لا يحركنا من الداخل، وعندما تتسع عينك في حوار مع أحدهم مندهشاً من مقولة أو فكرة، كثيراً ما ينظر إليك محدثك بغرابة قائلاً: «هل لا تزال تشعر بالدهشة؟».
هذا السؤال يختزن بداخله دلالات عدة، فلا شيء بالفعل بات يثير العقل ويدفعه إلى التوقف، فضلاً عن اعتبار الدهشة نوعاً من الفطرة أو البراءة وأحياناً السذاجة، وكلها أشياء تجاوزها العالم.
لقد تغيرنا تماماً، على المستوى النفسي والقيمي والسلوكي، ونتيجة للتعرض السيال للصور أصبحنا نشاهد كل شيء، ولا نرى أي شيء، في الوقت نفسه، ففارق كبير بين المشاهدة والرؤية، الأولى فعل سلبي ومجرد تعرض لمشاهد متعاقبة، هي عملية ميكانيكية تخلو من الأنسنة، أما الثانية فتدبر وتفكر تعقبه رؤية، هنا اقتراب أكثر من البصيرة، ونحن الآن نعيش عصر البصر والمشاهدة، أصبحنا روبوتات لا تعنينا إلا حاجتنا المباشرة ومشاكلنا الآنية الملموسة، ولا نرى أبعد مما يقع أسفل أقدامنا، وتوقفنا عن الاندهاش بما يحدث حولنا، وتوقفنا عن تأمل مفارقات العالم المحيط بنا، ولنتخيل أحد أجدادنا لو جاء ليعيش في راهننا فسنرى الدهشة في عينيه إزاء كل شيء، دهشة لا تتعلق فقط بالتقدم العلمي، لكن تجاه كل مفاصل حياتنا وطرائق تفكيرنا وتعاملنا مع الذات والآخرين.
غياب الدهشة وسيادة ثقافة الصورة أو المشاهدة، كلها مفاصل غيّرتنا تماماً، بات بعضنا يتسلى بمناظر مأساوية وربما يعلق عليها بسخافة، ولا تستوقفنا المعلومة الجديدة حتى لمن يطالعها في كتاب، فالبرودة واللامبالاة وعدم الاهتمام مشاعر وصلت إلى أكثرنا جدية وأعني القراء، والذين وقعوا بدورهم أسرى للصورة وتبعاتها، يعبرون صفحات الكتاب كما يمررون مقاطع الفيديو على شاشة الهاتف.
قيل قديماً إن الفلسفة ابنة الدهشة، كان الناس لا يفهمون العالم، الذي يمتلئ بالألغاز والأحجيات والغموض، وكلها مظاهر استوقفت رجالاً فكروا بطريقة تجريدية، فجاءت الفلسفة كأهم إضافة للعقل البشري حتى الآن.
وكما نبتت الفلسفة من الدهشة، كذلك الفنون والآداب، فبجانب الفيلسوف كان هناك رجال من نوعية أخرى أدهشهم تعقد النفس البشرية وتقلباتها وثرائها في الوقت نفسه، فأبحروا فيها وكتبوا لنا شعراً وأدباً لا يزال يعيش بيننا حتى الآن، وتكررت الحال نفسها في الفنون والعلوم والعمارة.. الخ.
كانت الحضارة بأكملها ثمرة الدهشة، لا يمكن أن تبدع أو تبتكر أو تطرح فكرة جديدة، من دون أن تتأمل بروية ما يحدث أمامك، ولا بد أن يتكرر هذا الفعل دوماً وتقوم به شرائح واسعة من البشر، وعبر الفرز بين هؤلاء ينتج لدينا الفيلسوف والأديب والفنان والعالم، أما إدمان التطلع في الصور، واللهاث وراء التعليقات على المواقع المختلفة، وتشتت الانتباه بين أكثر من عمل في الوقت نفسه فلن يؤدي إلا إلى تراجع قدرتنا على الإنتاج الحضاري.