هل الوقت مناسب للتفكير في الأسباب البنيوية، التي جعلت المنظمات العربية لا تؤتي أكلها على مرّ السنين؟ في السرّاء تكون كأم العروس، وفي الضرّاء «وتلاقينا لقاء الغرباء».

هل سبق لك أن وقع بصرك على دراسة أثارتها أعجوبة أن العلل التي تعانيها المنظمة العربية الكبرى، تنتقل بما يشبه الآلية الوراثية، إلى المنظمات المتفرعة منها؟ بعبارة أخرى، الصورة عكس «هذا الشبل من ذاك الأسد»، بالضبط. الجامعة العربية تأسست قبل ثمانية عقود، فهل ما وصلت إليه اليوم، يمثل نموّاً طبيعياً سليماً لمسيرة ثمانين سنة؟ ومع ذلك لم تتمثل بقول زهير: «سئمتُ تكاليف الحياة ومن يعشْ.. ثمانين حولاً، لا أبا لك، يسأمِ»، ولا بقول الآخر: «إن الثمانين وبلّغتها... قد أحوجت سمعي إلى ترجمانْ». سمع العرب هو الأحوج إلى ترجمان، لكي يفهموا عاهات نموّها طوال أربعة أخماس القرن. من الطبيعي ألا ينتظر العالم العربي من ابنتها «المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم»، أن تكون فارسةً فائقةً في ميادينها. وهكذا هو «المجمع العربي للموسيقى».

أليس عجيباً أن يسأل العربيّ: كيف لم يتنبّه المؤسسون لكل هذه المشكلات في البنية التأسيسية وجهاز المناعة؟ لكن النقد الفاحص لنصوص التأسيس، التي ولدت بموجبها المنظمة ونمت نموّاً غير طبيعي على مرّ السنين، يستطيع أن يدرك أن الداء يكمن في القانون الأساسي، لم يتنبّه واضعوه للمعاني الفضفاضة للكلمات. وعلى تلك المفاهيم الهلاميّة، درجت المنظمة على تحرير قراراتها وتوصياتها.

أليس غريباً أن الجامعة العربية. بين سنتي 1945 و2025، عقدت ستين قمّةً، بعضها طارئ، ومنها ما هو عاديّ أو اقتصادي؟ ستّ عشرات، يا قوم، لكي يمسي العالم العربي، بلا تشبيه، صورةً لعبارة «الصعود إلى الهاوية». صحيح أن الاتحاد الأوروبي ليس معصوماً من الأخطاء والعثرات، وحتى التصدّعات أحياناً، لكنه انطلق بأفكار تأسيسية، قائمة على البناء الإداري، الذي يقيم العلاقات الاقتصادية وترابط المصالح، وتمتين الحدّ المعقول من وجهات النظر السياسية. آراؤهم في السياسة الخارجية متقاربة متجاوبة نسبيّاً، ولا تتدخل فرنسا في الشؤون الداخلية الألمانية، ولا إيطاليا في ما لا يعنيها من أمور بلجيكا الخاصة.

لزوم ما يلزم: النتيجة الإزعاجية: ثمانون عاماً من عدم البناء الجدّي، تفضي بالضرورة إلى حصاد وافر من هشاشة عظام البنية.

[email protected]