البعض يرى الحل واضحاً حين ينظر إلى مشكلات الآخرين، يرى الصورة كاملة، يرى الخطأ، يعرف بالضبط ما الذي يجب فعله. ويقدم النصيحة بثقة تامة:«افعل كذا»، «اترك كذا»، «توقف عن كذا». كل شيء يبدو بسيطاً وواضحاً ومنطقياً، لكن حين يعود إلى حياته، إلى مشكلاته الخاصة، كل شيء يصبح معقداً. كل شيء يصبح صعباً. كل شيء يصبح مليئاً بالأعذار والمبررات.
لماذا؟ لأن حياة الآخرين تبدو من الخارج أبسط مما هي عليه. لا نشعر بوزن قراراتهم، لا نعيش ظروفهم، لا نخاف مخاوفهم، لا نحمل تاريخهم. لذلك النصيحة تأتي سهلة، واضحة، منطقية. نراها بعيون باردة، بعقل محايد، لكن حين نكون نحن في نفس الموقف، الأمر مختلف تماماً. نحن نشعر بالخوف، بالتردد، بالتعقيدات، بالمخاطر. نحن نرى كل الأسباب التي تجعل النصيحة صعبة التطبيق، مستحيلة أحياناً. كثيرون يعرفون ما يجب عليهم فعله. يعرفون أنهم يجب أن يتركوا العمل الفلاني أو المشروع المستنزف، يجب أن يتوقفوا عن القلق، يجب أن يبتعدوا عن العادات السلبية، يجب أن يعتنوا بأنفسهم، لكن المعرفة شيء، والفعل شيء آخر تماماً. المعرفة سهلة، تأتي من العقل. أما الفعل، فيتطلب شجاعة، وقوة، واستعداداً للتغيير، واستعداداً لمواجهة المجهول. وهذا ما يجعل البعض عالقاً. يعرف لكن لا يفعل، يفهم لكن لا يتحرك. ربما التناقض الأكبر هو أن البعض ينصح الآخرين بأشياء يتمنى لو استطاع فعلها، ينصحهم بالشجاعة التي يفتقدها، ينصحهم بالحرية التي يخاف منها، ينصحهم بالتغيير الذي يتجنبه، وفي كل مرة يقدم فيها النصيحة، ربما يذكّر نفسه بما يجب عليه فعله، لكنه لا يفعله، ربما النصيحة هي طريقته ليقول لنفسه ما يخاف قوله مباشرة. النصيحة ليست كذباً، معظم ما ننصح به الآخرين صحيح، منطقي، مفيد، لكنه سهل لأنه ليس لنا، سهل لأننا لا نتحمل عواقبه، سهل لأننا نستطيع أن نقوله ثم نمضي، أما الفعل، فهو الصعب، الفعل يتطلب أن نواجه أنفسنا، مخاوفنا، ضعفنا، وهذا ما يجعل كثيرين خبراء في نصح الآخرين، لكنهم عاجزون عن نصح أنفسهم.
قد يكون من المفيد أن نأخذ هذا الأمر كدفعة لنا لكي نصلح من أنفسنا أكثر، لأن نكون قدوة للآخرين أيضاً، ونتبع العادات الإيجابية ونفعل الأمور الصحيحة، لكي تكون نصائحنا فعلاً من واقع تجربة وليس مجرد تنظير، وقبل ذلك كله من أجل أنفسنا.
[email protected]