هل فكّرتَ في أن الآدميّ، حتى حين يبلغ أوج العلوم والتكنولوجيا، ويبدع فراديس الثقافة، آداباً وفنوناً، يظل عاجزاً عن أن يبرح الغاب؟ كم كان جوزيب بوريل، الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، مغروراً، حين غوى فادّعى أن الغرب هو الحديقة، والباقي كله أدغال؟ مسكينة الأدغال. الحيوانات المتأقلمة مع الكرّ والفرّ ليل نهار، تكيّفت مع الصروف والظروف. في أيّ نظام بيئي تَخلق الملابساتُ قواعد وقوانين. مثل السيول التي تشق لها في الأرض مسارب، تصير مجاري للمياه التالية. لم نرَ في الأفلام الوثائقية، أسداً يبيد قطيعاً كاملاً. حتى في الخيال العلمي، لا نشاهد ليثاً، يختطف حمار وحش وأتانه، ويحبسهما في عرينه، تلذّذاً بالإذلال.
ذلك القانون السائد في الغاب، إنما له مسوّغاته البيولوجية، لكن المهمّ، هو أن الحيوانات اللاحمة، التي تتغذى على الدم واللحم وتهشيم العظم، لا تملك مكتبات فلسفيةً، أوّلها في ما قبل السقراطيين، وآخرها ورثة كانط وهيجل وسارتر. صحيح أن للغاب موسيقاه، غير أنه لم يكن له باخ وموتزارت وبيتهوفن، وأكثر من ألف من روّاد الفنون التشكيلية، وقمم لا تجارى في الرواية والمسرح. لا ينتظر عاقل من الحيوانات أن تقتدي بموروث القيم والإحساس بالجمال.
ما يهمّنا من مشاهد كليلة ودمنة في الحديقة والأدغال، هو النظرة التقسيمية العنصرية الميزيّة. الحيوانات ليس لها حدائق وبساتين، ولا معرفة بتنسيق الزهور. الحديقة من شأن أحفاد أحفاد الهوموسابيانس. أمّا الأدغال فهي لعالم الحيوان، من مرتبة وحيدة الخلية إلى القردة العليا. كم طال بالقارة السمراء الاستعمار؟ كأنها لم تُعمر قط، فلم تعمر، لكنها نُهبت حتى بدا من نهبها كُلاها.
الفكر الاستراتيجي الذي يجب أن ينبثق من النظرة الأدغالية، هو: إن الغرب يطبّق فعلاً هذه القناعة لديه. إنه يرى أن الكائنات في الغاب لا تملك من مقدرات الأدغال مثقال ذرّة. فما في الأدغال ملك مباح متاح لأهل الحديقة. ثم إن الأقوى من بين أفراد الحديقة هو الأولى بما فيها وما تحت ثراها. بهذا المنطق المتجبّر المتكبّر، يكون على سكان الأدغال ألاّ يتوهّموا أنهم مستثنون من المخططات.
لزوم ما يلزم: النتيجة المرجعيّة: في تداعي أحجار الدومينو، لم تحظ ولا واحدة بامتياز أو استثناء.
[email protected]
عودة إلى الحديقة والأدغال
6 أبريل 2026 00:06 صباحًا
|
آخر تحديث:
6 أبريل 00:06 2026
شارك